تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد يلتقي بطل الحكاية الكادح - منذ خروجه مبكرا إلى عمله اليومي - براع خرافي يرعى بهائمه في مكان صحراوي مجدب، بينما الزرع والكلأ يملأ الأرض من حوله، فيتوقف سائلا: لماذا ترعى في الجدب، وها هي المراعي والزرع الأخضر؟

وفي البداية ينهره الراعي الحكيم مرات، إلى أن يفضي إليه بأحد أوجه ذات المأثور أو النصيحة المقدسة قائلا بأن: «من يشبع ينطح.» بمعنى أنه يتعمد أن لا يشبع غنمه أو مواشيه؛ حتى لا تخرج طبعا عن طاعته.

ولعلها بالطبع نفس التنويعة للمأثور العربي المعروف عن «جوع كلبك يتبعك».

كما يلاحظ أن ذات المأثور قد يواصل سريانه وتطابقه مع كل ممارسات التربية والحكم، ومع المرأة بإزاء الرجل، عن قص جناح المرأة أو الزوجة أو العشيقة للرجل أولا بأول من جانب مقابل.

وعادة ما يصل التجانس إلى حد التطابق بين الحكايات المصرية السودانية بالنسبة لهذا النمط من الحكايات التي جوهرها التحولات، من سحرية لطبقية اجتماعية، سوى أن السودانية أكثر خشونة، وأكثر تعاملا مع الحيوانات وزواحف الأرض، والإيماء إلى مراحل أكثر بهيمية بالمعنى الأنثروبولوجي، من ذلك الاتصالات البشرية الحيوانية، والإشادة بفضائل الحيوان التي كثيرا ما يفتقدها الإنسان، وإن كانت هذه الخصيصة أشمل في كل فولكلور العالم، خاصة الهندي الآري كما سيتضح.

وكذلك بالنسبة لاقتران الإنسي بالجنية بشرط الالتزام بتابو محدد، حتى إذا ما أخل أحد الطرفين بهذا العهد أو الوعد، انحل الزواج أو المعاشرة، وعاد كل منهما إلى عالمه ونوعيته ووضعه الاجتماعي حيث كان.

فكما أوضحنا عادة ما تقوم السمكة، أو عروسة البحر، في التنويعات المصرية والشامية، بدور اختبار طويل لعشيقها أو زوجها، ينتهي في النصوص المصرية بنهاية مشئومة محققة، على غير ما درجت عليه الحكاية الخرافية - خاصة السودانية - في عمومها، من تأكيد صيغ التفاؤل والختام البهيج.

فالحكاية المصرية - على عكس نظيرتها السودانية - الأقرب من حيث جزئية اقتران البطل بزوجة قردة، إلى ما يقرب بها إلى الطوطمية منها للحكاية الخرافية، بالإضافة إلى السمة الغالبة للنهاية السودانية السعيدة.

وقبل الغوص في المقارنات التشريحية العربية، نعود إلى مدخلنا الإلمامي العام لحكايات التحولات هذه.

فمثل هذه الحكايات الخرافية التي تهدف نهايتها الوعظية التعليمية إلى إثبات أن الحيوانات والزواحف أكثر إخلاصا وصدقا من الإنسان، سواء من حيث طرح الصراع والاختبار بين البطل الإنسي ونقيضته الجنية، أو بين الإنسان والحيوان والزواحف والأشجار التي يقف بعضها في صف البطل، أو العكس أي أن تضاعف عراقيله، وهي الأنماط التي وردت بكثرة في المصادر الهندية الأسبق من البوذية.

فكثيرا ما يصادف الإله بوذا نفسه مجموعة حيوانات وزواحف - فأر وحية وببغان - محبوسين أو معلقين في أفرع شجرة، فيقوم بوذا بإنقاذهم، وهنا كافأته هذه الحيوانات بأن خلعت عليه ثروتها وكنوزها وقدراتها الخارقة، لكنه حين يقدم على إنقاذ ابن أحد الملوك - إنسان - حتى يحقد عليه لإنقاذه لهذه الحيوانات والحشرات من قبله، وهنا ما إن يسترد ابن الملك الإنس المنقذ عرشه حتى يأمر بضرب الإله الناسك بالسياط، لحين تبدي أو تحول بوذا الناسك من جديد إلى هيئته كإله ينزل بدوره العقاب بابن الملك الإنسان الخائن، في حين يكافئ هذه الحيوانات المخلصة التي حفظت له صنيعه وردت إليه جميله ومعروفه.

ولعل ما أود إيصاله فيما يتصل بالتحولات التي تعتري الأبطال داخل الحكاية الخرافية هو أنه ملمح عالمي أقرب إلى المنابع والأصول الآرية.

فبرغم أن مثل هذه التقمصات والتحولات مغرقة في القدم منذ قصة باتا الأخوين، التي دونت فقط في الدولة الوسطى، ومن المرجح أنها ترجع إلى نهاية الدولة القديمة في مصر الفرعونية.

الحكايات الشعبية العربية · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحكايات الشعبية العربيةص ٦٥