تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبرغم أن أولئك المؤرخين والرحالة كانوا دائمي التشكيك في بعضهم البعض، ففي الوقت الذي شكك فيه هيرودوت فيمن سبقوه - مثل هكاتية الملطي الذي اتهمه بالجهل - اتهم بلوتارخ هيرودوت بأنه كان «صديقا للبرابرة»؛ وذلك لتغلغله داخل الحياة الشعبية في مصر، راصدا ومسجلا ما تقع عليه عيناه النفاذتان وبصيرته الفاحصة.

وفي تقديري أن العهد الذي قطعه هيرودوت على نفسه بعدم الغوص بكامله في قضايا اللاهوت والآلهة والأساطير المصرية، بعكس ما تم مثلا بالنسبة لغيره من المؤرخين والمفكرين الذين زاروا مصر، مثل: هكاتية وديودور الصقلي واسترابون وبشكل أخص بلوتارخ، فقد وجه طاقته إلى رصد مظاهر الحياة والمعتقدات، مثل: القصص والحكايات وطقوس وشعائر الميلاد والزواج والوفاة، وكذلك التقويم المصري القديم والجاليات والأقليات التي كانت تزدحم بها مصر في القرن الخامس قبل الميلاد، من فرس ويونانيين وفينقيين وفريجيين وأحباش وليبيين، وما يتبعهم من عادات وتقاليد ومظاهر معيشية يومية.

لذا راح هيرودوت يتحدث عن مهن «الفرازين» الذين يفرزون البهائم بتحسس ما تحت ذيولها. وعن «التابو» الذي حرم على المصريين عدم أكل رأس الحيوان - إذ إن الرأس مكمن كل خطيئة - والخنازير وطرق إخراج أحشاء الذبيحة بعد ذبحها، وتحريمهم ذبح إناث الأبقار؛ تقديسا لحيوان إيزيس المقدس، وتحريم التضحيات البشرية من الأطفال الذكور والبنات على خلاف عادات الآسيويين والساميين والإيجيين وحتى اليونانيين، وكذلك تحدث عن نجاسة الخنازير والكلاب، وتحريمهم دخول المعابد بعد الجماع دون اغتسال، «وسائر الشعوب - فيما عدا المصريين واليونانيين - يجامعون النساء في المعابد، ويدخلونها دون اغتسال»، ثم سبقهم عن الكيفية التي كان يتقي بها المصريون القدماء البعوض باستعمال «الناموسيات»، وسبقهم في اكتشاف «باسم أي إله يسمى كل شهر وكل يوم، وحظ من يولد في يوم كذا وكذا»، وكذلك اكتشافهم الأول لعلم «المساحة»، وكذلك تحدث عن الطبقات السبع التي كان يتكون منها المجتمع: طبقة الكهنة، وطبقة المحاربين، ورعاة البقر، ورعاة الخنزير، والتجار، والمترجمين، «والملاحين»، لكن كان أقسى صمته وفاء لما قطعه على نفسه بعدم الحديث عن لاهوت مصر، حين تحدث عن تلك «الاستعراضات التي كانت تقدم ليلا في هذه البحيرة المستديرة التي تمثل مصيره المحزن (يقصد أوزيريس) التي يسميها المصريون «أسرارا»، ومع أنني عليم بتفاصيل ما يدور بكل منها إلا أنني ألتزم الصمت بصددها.»

واحتفالات عيد قيامة الإله الممزق أوزيريس، وما يطابقه من آلهة الجوع والإخصاب على طول الشرق الأوسط: أدونيس تموز واتيس وديونسيوس زاجريوس» في جزر بحر إيجه، وديونسيوس عند الإغريق قائلا: «ويكاد يكون احتفال المصريين بعيد «ديونسيوس» - يعني أوزيريس - أن يشبه من جميع الوجوه احتفال اليونانيين به فيما عدا الرقص، وقد ابتكروا بدلا من المذاكير تماثيل، طول التمثال منها ذراع، يمكن تحريكها بواسطة خيط تطوف بها النساء القرى، وعضو التذكير بها متحرك ولا يقل كثيرا عن باقي الجسم، ويتقدم الموكب الزمار، تتبعه النساء اللاتي تتغنى بديونسيوس، أما عن السبب الذي من أجله كان عضو التذكير كبير الحجم، وكان يتحرك دون سائر أجزاء الجسم، فلذلك قصة مقدسة يروونها.»

ويصمت هيرودوت عن الخوض في سرد «القصة» التي هي وكما يقول عالمنا د. أحمد بدوي في شرحه وتعليقاته الموسوعية على كتاب هيرودوت: «إنها أسطورة إيزيس وأوزيريس، وتحريك العضو المذكور من التمثال دون سائر الأعضاء، فقد يكون المقصود منه الرمز إلى بعث «أزوريس» والعثور على العضو، ثم إلى عودة الحياة بين يدي النهر.»

وسلامة تفسير الدكتور أحمد بدوي صحيحة؛ لأن هيرودوت قدم إلى مصر في أيام الفيضان، ويؤيد فريزر هذا الرأي - في الجزء الرابع من المجلد الثاني في موسوعته الذهبية «الغصن الذهبي» البالغة أربعة عشر جزءا - بقوله في دراسته الرائدة عن الآلهة الفصلية، آلهة الزرع والاخضرار التي تموت وتصحو بجدب وقحط الماء والنبات، «والتي كانت منتشرة بكثرة في شرق البحر الأبيض المتوسط تحت اسم أوزيريس، تموز، أدونيس، واتيس وديونسيوس لشعوب مصر وغرب آسيا ».

الحكايات الشعبية العربية · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحكايات الشعبية العربيةص ٦٠