وما أن يقاطع الملك الطفل ضائقا من كذبه، حتى يبادره الطفل موافقا وطالبا منه في ذات الوقت الموافقة على نية الملك في اختطاف زوجة الصياد الفقير الجميلة، وهنا طق الملك ومات. •••
ويمكن بالطبع التوصل إلى رصد شبه إحصائي لموتيفات الحذر أو المحاذير العربية التي يمكن أن تشكل ملمحا جوهريا لقنوات الفكر العربي الشعبي، أقرب إلى الإيجابية في مواجهة بقية الملامح الآسفة السالبة - الغيبية والدهرية والسلفية والقبلية - في تكاتفها السالب العامل - على الدوام - في صف السباحة المعاكسة والثورة المضادة، ذلك مع الأخذ في الاعتبار أن مثل هذا الرصد لإبداعات الذكاء وشحذ الذهن، والمغزى الذي تفيض به مثل هذه الحكايات الخرافية الملغزة في سخريتها من حياة البذخ والطراوة، من ذلك: الحراث الذي شاهده أحد الملوك يحرث أرضه سعيدا مستغرقا، وزوجاته الثلاث يقفن له على رأس الحقل بالأكل والماء البارد؛ لأنه يحسن معاملتهن وعشرتهن، ولا يحول بينهن وبين ما يردن.
20
وحراث آخر يعمل بأقصى عنفه دون منتبه لحنش الثعبان الذي علق بكعبه المشقق، وحين يختاره الملك ليعمل في حديقته تأخذه وتتملكه حياة القصور ونعيمها، لدرجة أنه يمرض عند أول دخول شوكة نبات صغيرة في أصبعه ويلازم الفراش.
وكذا - ولكي لا ننسى - حكايات الطرد من الفردوس عند أول اقتحام لشجرة المعرفة، وعند أول شكاية من الموت داخل المدن المسحورة والفاضلة واليوطوبية.
ومن الصعب التغافل عن تلك المنمنمات العربية التي جاءت بها الليالي للسندباد الحكيم، ولقمان، وهيكار الحكيم، أو أحيقار السرياني ذي الأصل البابلي، وحكايات داود وسليمان، وحكايات الشمامسة والزاهدين، والراهب الشحاذ، ثم نسوة بغداد، وحياة الحريم والبغاء المقدس، وذلك المزيج الخليط المشير إلى بداية تواجد الطبقة الوسطى الصغيرة من حرفيين وصنايعية؛ من فطاطرية، وحلوانية، وخبازين، وإسكافية، وخياطين، وصيادين، وصياغ مهرة، وبحارة، وحلاقين ثرثارين، وذوي عاهات جبارين، مثل الأحدب المحجب، وأطفال حكماء، ولصوص، وصيع، وأفاقين.
والقاسم المشترك لكل هذه الحكايات الملغزة هو أن القادر يعجز، بينما العاجز يقدر.
وهو كما يلاحظ نتيجة أو حد ثالث لجدلية تعلي من شأن الفقراء وبسطاء الناس، عبر صراعهم الأزلي المتفاقم دوما في مواجهة الطرف أو الحد الثاني للقوى السلطوية المتجبرة القادرة داخل المجتمع.
تنتهي دوما بانتصار البسطاء؛ الشعب.
الفصل الثامن
| الأبطال اللصوص والشطار النزقين والمكارين
كنت متأففا قليلا وأنا أجمع هذا النص - اللص والملك - من مصدره الشفاهي بإحدى قرى الفيوم الصغيرة المجدبة، الواقعة قريبا من بحيرة قارون، إلى أن وقع نظري على مصدره المدون حين أورده «هيرودوت» في كتابه الثاني من كتبه التسعة، التي يحوي كل جزء منها إحدى عرائس العلوم والفنون من بنات «زيوس» التسع، التي تحدث فيهم أبو التاريخ عن الشرق القديم، مسميا كل جزء باسمه العام، كالأحاديث الليبية أو الروايات الآشورية، ثم حديثه عن مصر التي زارها حوالي عام 440ق.م، ودون فيها هذه الحكاية الشفاهية التي جمعتها عام 1963 مع ما جمعه ودونه من أحداث ومشاهدات ومواد فولكلورية وأسطورية، كما يشير بهذا في الفصل 99: «إن ما قلته حتى الآن هو نتيجة لمشاهداتي الخاصة وآرائي وأبحاثي الشخصية، وسأبدأ من الآن فصاعدا بقص الروايات المصرية طبقا لما سمعته.»
وهيرودوت مثله مثل كل المؤرخين والرحالة والمفكرين الذين سبقوه في المجيء إلى مصر والشرق القديم - سواء سبقوه في المجيء مثل: «هيكاتية الملطي»، وفيثاغورس، وأبقراط، وطاليس، ووسولون، وديموقريطس الأبدري، وكذلك ديودور الصقلي، واسترابون، وبلينوس، وأسطفانوس البيزنطي، وبلوتارخ، وأفلاطون، والمئات غيرهم - أصبحت كتاباتهم وملاحظاتهم مراجع أساسية لأغلب المعارف الإنسانية، سواء ما يتصل منها بالتاريخ والاجتماع، أو ما يتصل بالفولكلور والدراسات الإثنولوجية والأساطير المقارنة وعلم ما قبل التاريخ.