تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقبل أن نتوه في سرد تفاصيل هذه الجزئية عن هجرات التراث والأساطير، نعود إلى موضوعنا الأساسي وهو حادث عثوري - عرضا - على حدوتة شفاهية ذكرها هيرودوت بنصها في الفصل 121 من كتابه، ناسبا وقائعها إلى أحد ملوك مصر أسماه: «رامسينيوس»، يرجح د. أحمد بدوي أنه رمسيس الثالث 2100-1168ق.م، أول ملوك الأسرة العشرين، ويصف هيرودوت هذا الملك الذي هو موضوع الحكاية في بداية سرده لها بقوله:

وقالوا إن «رامبسينيتوس» قد امتلك من الفضة ثروة طائلة، لم يستطع ملك ممن خلفوه فيما بعد أن يقتني أكثر من هذه الثروة، أو أن يدانيه فيها.

ويعلق د. بدوي على هذا بقوله: «والشيء الذي لا شك فيه هو أن رمسيس الثالث كان ملكا غنيا واسع الغنى ... أعطى فأجزل عطاء لم نسمع بمثله في تاريخ الفراعين من أسلافه وخلفائه.»

وفي تقديري أن لشخصية ذلك الملك تأثيرا كبيرا لجانب من حواديتنا أو حكاياتنا الشعبية، ونظرا لأن هذه الحكاية التي قمت بتدوين نصها الشفاهي عام 1963، والتي دونها هيرودوت في القرن الخامس، على اعتبار أنها وقعت لذلك الملك - رمسيس الثالث - الذي حكم مصر لمدة 32 عاما في القرن الثاني عشر ق.م، يصبح عمر هذه الحدوتة حوالي 32 قرنا من الزمان. ونظرا لأنها حكاية يمكن تصنيفها تحت ما يعرف في الحكايات الشعبية باسم حكايات «المكارين» أو «الشطار»، وهي حكايات شائعة في فولكلور كل العالم، فكثيرا ما كانت تصادفني «موتيفاتها» أو بعض أفكارها الرئيسية التي تتصل بنمطها العام الثابت، مهاجرة تائهة من حكاية لأخرى في حواديتنا المصرية.

والحكاية المدونة عند هيرودوت يمكن تلخيصها في أن بناء خزنة الملك، التي «تمتد إحدى حوائطها إلى الجدار الخارجي من القصر»، صنع حيلة في بنائها، وأطلع ولديه عليها قبل أن يموت؛ «حرصا منه في أن يعيشا في رخاء»، وبعد أن مات وتناوب الولدان سرقتها، إلى أن اكتشف الملك النقص في خزائنه ونصب فخا أطبق على أحدهما مما اضطر الثاني لأن يقطع رأس أخيه؛ مخافة أن ينكشف أمره هو أيضا، ودخل بها على أمه يحمل رأس أخيه، وتتوالى الحكاية بعد ذلك لتكشف عن مكر ودهاء وألاعيب كل من الملك واللص، تنتهي بانتصار اللص على الملك، وإقرار الملك بذكائه وبراعته وكان أن زوجه ابنته.

أما حكايتنا الشفاهية فإنها تستبدل بالأخين اللصين ولد وخاله شقيق أمه، فبدلا من أن يقطع لص هيرودوت «الشاطر» رأس أخيه، يقطع «حرامي» - اليوم - النص الشفاهي رأس خاله.

فالاختلافات ضنينة بين النصين، وكان لا بد من حدوثها؛ نظرا لبعد الفاصل الزمني بين النص الشفاهي ومصدره المدون، بالإضافة إلى الزمن الذي وقعت فيه الحكاية، وهو ما يفصلها عن نص اليوم الشفاهي 3200 سنة كما ذكرنا.

وهنا لا بد من مهلة بسيطة لتوضيح بعض الملاحظات، أهمها: الاعتذار عن الاستطراد السالف عن هيرودوت وغوصه في حياتنا الشعبية، بما أوصله منذ 25 قرنا إلى تدوين هذا النص الحي المتواتر إلى أيامنا، وكأنه جامع فولكلور يقظ يعرف ويدرك - بصائب فكره المستقبلي - أهمية النص الشفهي الجماعي الفولكلوري، الذي سنتبين مدى صداه، وتلك هي أهمية الجمع الميداني للنصوص الشعبية.

فالحكاية التي دونها هيرودوت مع ما دونه من تأريخيات ومظاهر حياة في رحلته القصيرة التي لا تتعدى أربعة أشهر، طاف فيها أقاليم مصر، ومنها إقليم الفيوم أو الإقليم الأرسنويتي، وتحدث عن معبوده المحلي الإله التمساح سبك، كما زار قصر اللابيرنت

1

أو التيه، ووصف بحيرة قارون وبحر يوسف.

إلا أنه لم يذكر موطن جمعه لهذه الحكاية التي نحن بصددها، والتي صادفني نصها الشفهي فجمعته من الفيوم عام 1963، وظلت تشغلني إلى حد كبير مؤرق، لكن الملفت أن الاختلافات بين بعض موتيفات النص المدون القديم ونصها الشفاهي المعاش على أيامنا؛ تجيء طبيعية شبه متفق عليها، وبعضها الآخر خاضع لهجرات داخلية داخل نمط أو نموذج الحكاية الواحدة.

الحكايات الشعبية العربية · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحكايات الشعبية العربيةص ٦١