فإذا ما أخذنا حكاية سوريا العليا «قاتل التسعة والتسعين»، ومحورها طفل قدري موعود ما إن يولد حتى ينطق بالحكمة؛ ذلك أنه ينحدر - تجاوزا - من صلب أب قاتل لتسعة وتسعين نفسا، ومكتوب على جبينه أن يكمل مائة، لكن قومه قبضوا عليه وأحرقوه بالنار حتى أصبح جسده رمادا يتطاير في الهواء، ومرت فتاة هي أم هذا الطفل، وما إن ابتلعت لحسة من رماده، وتنفست هواءه حتى حملت منه، وكان أن وضعت هذا الغلام المتوقد الموعود الذي تكلم في المهد بالحكمة، إلى أن ذاع صيته ووصل إلى الملك فطلبه ليفسر له حلما رآه.
2
فطلب الطفل المعجزة من الملك - على
3
عادة النصوص الفارسية - أن يعطيه تاجه ساعة، ثم طلب أن يعطيه خنجرا.
وبدأ الملك يروي للطفل - بديل الملك - حلمه أو لغزه أو حزره قائلا: «رأيت السكين تأكل من الجبسة.»
4
وهنا طلب الغلام خادمة الملكة زوجة الملك، وطلب أن يرفع عنها ثيابها الداخلية فرفعوها، فإذا هي رجل ذكر، وقام الغلام فطعن الخادم بخنجره، والتفت إلى الملك قائلا: امرأتك يا جلالة الملك هي الجبسة. ثم هتف: «أنا أبو التسعة والتسعين، والآن أكملت مائة نفس.»
وهي كما يتضح حكاية شديدة الثراء من حيث موضوعنا، تغري بالدراسة المتأنية، سواء من المنطلق الفرويدي لتشبيه الخادم المتنكر في ثياب امرأة بالسكين، وزوجة الملك الخائنة العاشقة بالبطيخة - الجبسة - الحمراء المكتملة النضوج، التي تشقها السكين أو عضو التذكير.
أو المنطلق القدري لقاتل التسعة والتسعين، المكتوب على جبينه والمقدر له أن يتم المائة، وحين يتحدى قومه قدره ومكتوبه بإحراقه وذر رماده في الهواء - كما هو مألوف مع الشخصية الشريرة في الوجدان العربي المعروفة ب «البين»، وأشلاء سيرته مع الملك معروف - يأتي ابنه سفاحا فيكمل قدره ومكتوبه بقتل المائة.
وكذا يمكن تناولها من منطلق الجارية التي تحمل دون أن يمسها بشر مثل مريم العذراء، ونعناعة في نص مصري مشابه، وفاطمة في حكاية سودانية، التي تكيد لها زوجة أخيها محمد وتسقيها بول البهائم، فتشرب وتحمل سفاحا دون أن يمسها بشر.
وفي حكاية سودانية ثانية - ود النمير - يطلب المنجم من الزوجة العاقر صحنا من عظام الموتى لتشربه زوجة ود النمير، لكن ما إن يقع المحظور ويشرب زوجها من المعلاق بدلا منها، حتى يحمل في وركه.
كذلك يمكن التعرض لجزئية قاتل التسعة والتسعين الموعود بأن يصل بضحاياه إلى المائة، حتى إنه في بعض النصوص؛ ملحمة النبوت، التي سأنشرها بكاملها في الجزء التالي المخصص للملاحم والسير العربية، يذهب قاتل التسعة والتسعين إلى المقابر ليزرع نبوته، فإذا اخضر في اليوم التالي اتخذ طريقه بعد الموت إلى الجنة، ولكن ما أن يفاجأ داخل المقبرة برجل إنسي شبق ينكح جثة لامرأة جميلة دفنت حديثا، فيقتله بنبوته مكملا المائة ويزرع نبوته ويفاجأ باخضراره؛ أي إن حسنة القتيل الأخير المائة ذهبت بسيئاته التسع والتسعين السابقة عليها.
كما يلاحظ بالطبع الجانب الوحشي أو الهمجي الدافع إلى القتل، سواء من المدخل السالب للقدرية والدهرية كملمح سامي، وبتحديد أكثر عربي إسلامي.
وتأكيدا لما سبق أن أوضحه المنهج الجغرافي التاريخي، يمكن ملاحظة خاصية انقسام الجزئيات أو الموتيفات التي تشكل بنية حكاية قاتل التسعة والتسعين السورية هذه، إلى ما لا نهاية له من الجزئيات، فتناول رماد وعظام الموتى يسبب الحمل حتى ل «ود النمير» في وركه.
ويولد الطفل الموعود، كابن حرام، لينطق بالحكمة في المهد، بل هو يكمل قدر أبيه الذي هو الرماد المحترق الذي استنشقته الأم، فهو إذن - أي الرماد المحترق - في موقع الأب، والذي ما هو سوى قاتل
5
لتسع وتسعين نفسا.
وهكذا تتوالى الجزئيات مثل: رؤيا الملك، اللغز، الزوجة الخائنة، تنكر الخادم العشيق، بديل الملك، عدالة القتل، تمجيد القاتل، أو القاتل الصالح، ناهيك هنا عن المقولة الطبقية الاجتماعية للطفل بديل الملك والمغتال في ذات الآن، حفاظا على التاج والتسلط.