أخيرا أردت من تقديم هذه الإلمامة المقارنة عن قصص الخلق - للعالم والإنسان - الطوطمية أو الحشرية للرسل الثلاثة، من سلحفاة برية لأبو جلمبو لدودة العلق، والتي انتهت في الرسل الثلاثة إلى إضفاء المزيد من الأهمية لحكايات الحيوان والطير والحشرات والهوام المصاحبة لطفولة الإنسان الأول، ومن هنا تجيء أهميتها القصوى.
كذلك أردت عبر هذه الإلمامة الموجزة المقارنة لقصص الخلق الأولى للإنسان وأرضه أو عالمه عن طريق الرسل الحشراتية، وأهمهم - عربيا وعبريا - هنا هو دودة العلق.
حقا ألا ما أقرب اليوم من أمس بأكثر من غد!
الفصل السابع
| الحزور والألغاز في الحكايات العربية
من المتفق عليه أن الألغاز والحزور والأحجية، وبشكل عام تلك اللغة السحرية الأسطورية المضمنة التي نصادفها بكثرة مفرطة في ثنايا الحكايات الخرافية والشعبية بعامة؛ ملمح عالمي سحري عثر عليه بكثرة شديدة في فولكلور مختلف الشعوب، وهو ليس بقاصر على الحكايا الشعبية بقدر ما هو موجود في ثنايا السير والملاحم والبالاد الشعرية والشعر الفولكلوري عامة.
إلا أن من المتفق عليه أيضا هو تفرد الفولكلور العربي وإغراقه في هذه المستنقعات السحرية الملغزة منذ أقدم نصوصه - ملحمة جلجاميش - بما يمكن أن يشكل ملمحا محدد السمات والخصائص للتراث العربي من كلاسيكي وفولكلوري.
فما أكثر الحزور والألغاز ومباريات الذكاء والفصاحة في التراث العربي السامي، سواء منذ قصة أحيكار أو أهيكار السريانية ذات الجذور البابلية.
كما أنه ما أكثر هذه الملغزات في البرديات الفرعونية، والمأثورات الجاهلية، ثم الإسلامية فيما بعد، وانتهاء بحياتنا الآنية المعاشة وما يسودها من أحجية
1
وملغزات.
ولقد أولت المدرسة الفنلندية اهتماما ملحوظا لهذه الخصيصة الفولكلورية منذ روادها الأول، وأخصهم «إنتي آرني»، بما أسهم في بلورة منهجه الجغرافي التاريخي في دراسته للألغاز.
فاستوفى آرني معالم ومقومات هذا المنهج في بحثه عن حكايات ومأثورات الألغاز والأحجية، وما يعرف بالفوازير «وحزر فزر»، ويطلق عليه في بعض الأحيان ب «الحزر»، ويبدو أنه تعبير درج على استخدامه في معظم مجتمعاتنا العربية.
وتشير كلمة «حزر» إلى حظر بمعنى الممنوع والمحظور، والذي هو بذاته مرادف التابو، وهو - كما لاحظ آرني - سمة مشتركة في هذه الحكايات الأحجية أو المحجبة الغاصة بالتضمينات والعبارات: من شعرية لسجعية لتعاويذ غامضة، تشمل المواقف والأمكنة والأفعال المحرمة، كما يشمل نفس التحريم والحظر بالنسبة للنطق، وكذا التعامل مع ساعات النهار والليل وفصول السنة، وأيضا أطوار العمر المختلفة، خاصة ما يتصل بالأطفال الموعودين الذين يأتون الخوارق الملغزة، بل هي تصاحب مولدهم مع أشهر الحمل التسعة، ملازمة لنموهم المدهش كما حدث مع إبراهيم، ويوسف، وموسى، وسميراميس، والمسيح، وهكذا.
وإذا ما أخذنا أنموذجا لحكاية سورية، أشك في نمطيتها بقدر ما تبهرني موتيفاتها المفردة، والتي يتبدى فيها مدى حجم التابو أو المحرمات وانفراجه على طول الحكايات الشعبية بتقسيماتها المختلفة المتفق عليها ما بين حكايات فرفشة
Merrylales
وخرافات جان وحكايات طوطمية وألغاز أو أحجية يتحكم فيها التابو؛ مما دفعني إلى اعتباره - أي التابو - ملمحا جوهريا استراتيجيا أو منطلقا رئيسيا، على الأقل، فيما يتصل بفولكلورنا العربي؛ فأفردت له فصلا خاصا في كتابي «الفولكلور والأساطير العربية» (دار ابن خلدون، 1978، بيروت).
فالتابو هنا جزئية أو موتيف رئيسي مصاحب لحكايات الحزور والحكايات الملغزة التي يغلب عليها الذكاء الكوني، وكشف حجب المستقبل بل والماضي، واستجلاء أستاره وخباياه، والتطاول في إتيان أفعال معجزة، والقدرة اللامحدودة للفولكلور العربي في التصديات لتحديات التناقضات في كل من الذات والموضوع، أو الإنسان والطبيعة.