تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي إحدى الملاحم الشعرية الغنائية ينتهي به - أي قاتل التسعة والتسعين - المطاف إلى الجنة، وفي عديد من النصوص العربية الوعظية والتعليمية يتبادل مكانه كقاتل وشرير مع نقيضه الخير الصالح.

6

ولعله ملمح يشير إلى صراعي الخير والشر في الثنائية الفارسية والعربية - الإسلامية فيما بعد - مثل الرحلات العبورية، ومنها مصاحبة جلجاميش لخصمه ونقيضه أنكيدو، والخضر لموسى، والحكيم لقمان للإسكندر المقدوني، فكثيرا ما يتبدى الخضر لموسى كقاتل ومغتال صالح؛ فهو يغرق سفنا، ويهدم جدرانا، ويقتل طفلا، مجزيا أو منتقما للمحسن ومعاقبا المسيء بالقتل.

ويشير كراب بطريقة متعجلة إلى أن الأوروبيين أتيح لهم معرفة هذه الشخصية الأسطورية - الخضر - خلال فترة الحروب الصليبية.

وحتى لا نفقد خيط بدايتنا عن تحكم سلسلة من التابوات في الحكايات الخرافية الملغزة أو الحزور والمحظورات، وكيف أن أناسا أقل شأنا في مقدورهم حل هذه الألغاز والطلاسم والرؤى والكلمات والعبارات والتعاويذ والأشعار والأسجاع العويصة الملغزة والمحظورة لغيرهم.

وعادة ما تصاحب هذه الألغاز والحزور حكايات الحب والعشق والأشعار والمخاطر، سواء المصرية أو السودانية أو العربية،

7

فعادة ما يطرح الأب على ابنه البالغ لغزا يكافئه بالزواج إذا حله، كأن يطلب منه الزواج من فتاة «عرضها قد أو مثل طولها»، أو أنها تصون العرض والشرف، وقد يعطيه ذبيحة ويطالبه بردها أضعافها، وقد تساعد الفتاة طالب الزواج في حل اللغز الذي يعتمد على الذكاء والشطارة، كما قد يستغرق حل اللغز سنوات طويلة، وفي كثير من النصوص يتعرف البطل العريس على والد فتاته أولا الذي ينقل لها خبره، فترسل الابنة العروس له طعاما كغريب؛ بيض وتمر ولبن - كلغز - بعدد فصول السنة وأشهرها، أو ساعات النهار أو مواقيت اللقاء أو الإنجاب أو المساعدة في حلول الأحجية ومعضلات تعترض طريق البطل العريس.

كما قد تلجأ الحبيبة إلى تعريف حبيبها ببلدتها وعنوانها في لغز أو حزر. وفي حكاية سودانية تلقي الفتاة سرا لحبيبها بإبرة وليمونة وحجر، وأخيرا بعود ثقاب بعد أن نقرت على سنتها، فيفهم الحبيب أنها من بلدة سن: نار - أو سنار - وفي بيتها الحجري شجرة ليمون، وبجوار البيت حائك: رمز الإبرة.

وللبدو والقبائل العربية أصحاب الوبر باع طويل في طرح وحل هذه الألغاز والطلاسم والحزور، فلقد يذهب بطل الحدوتة يقطع المخاطر؛ لكي يسأل «عرب العربة» أو العرب العاربة إشارة إلى الفصاحة العربية، وعلاقة التسمية العربية بالإعراب اللغوي، وقد تتمثل هذه الفصاحة والذكاء في فتاة عربية، كما في هذه الحكاية السورية عن شاعر الملك الذي لفظ له بشطرة بيت: «لوح لي عائدي فقلت له» ومات.

وعندما سأل الملك فتاة عربية فصيحة، أكملت له:

لوح لي عائدي فقلت له: لا تزدني

أما علمت بأن النار بالتلويح تتقد

وغالبا ما يحل اللغز أو الحزر ابن أو ابنة فقيرة، مثل بنت

8

الحطاب التي طلب الملك من أبيها أن يأتيه عريانا ولابسا في ذات الوقت، فأشارت البنت على أبيها بأن يلف نفسه بشبكة صيد فنجا.

ويمكن الجزم بأن الاقتدار بحل مثل هذه الألغاز والحزور منوط على الدوام ببسطاء الناس من المضطهدين في مواجهة من يسومونهم الاضطهاد والقهر.

ومن اللائق هنا أن لا ننسى أقدم أشكالها المصاحبة لحل يوسف وهو سجين مضطهد لحلم خادمي فرعون، ثم فرعون ذاته، لحين الوصول إلى أقصى سلطة.

ثم جمرة وتمرة موسى - الطفل - في مواجهة فرعون، حين نتف له ذقنه، وكاد فرعون أن يفتك به، فتدخلت زوجة فرعون السيدة آسيا؛ بحجة أنه طفل لا يفرق الجمرة من التمرة، وحين جاءوا بالجمرة والتمرة فعلا ألهم موسى وأمسك بالجمرة بدلا من التمرة، ومن هنا ثقل لسانه: «رب إني ثقيل الفم واللسان.»

الحكايات الشعبية العربية · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحكايات الشعبية العربيةص ٥٥