12
أرواح كل المخلوقات.
وتكشف هذه الأسطورة عن كيف أن أداة خلق الإنسان هي نفسها أداة موته المتمثلة في ملاك الموت، وكيف أن دائرة المجيء والغياب نهائية، وأن الموت ضروري، وإلا ازدحمت الأرض بمخلوقاتها.
ولعديد من الفولكلوريين دراسات عن هذه الأسطورة، منهم من يضيف بأنه عندما علم عزرائيل بمهمته انخرط يبكي ويندب ويقول: «بين كل أبناء الإنسان، سيكون هناك أنبياء وقديسون سيمقتونني - بلا جدال - على ما فعلته.» فأجاب الإله: «سأرسل عديدا من المصائب والكوارث على الجنس البشري وسأشغلهم عن معاداتك.»
وتتشابه هذه الفكرة في الملحمة الهندوسية حيث ذكرت مرتين في المهابهارتا، فإلهة الموت خلقها الإله براهما بلا شفقة من أجل الأرض المزدحمة، واشتكت طويلا من أنها ستصبح ممقوتة مكروهة من الناس، فوعدها براهما بأن كل أنواع الكوارث والأوبئة ستجعل جميع المخلوقات ترحب بمجيئها وتستقبلها بكل ترحاب.
ويعتقد «م. وينتميرنيتز» أن لهذه الملحمة قيمة أثرية؛ إذ إن براهما يظهر فيها كالخالق ذاته.
وبالإضافة للأسطورة - التي يلعب فيها عزرائيل الدور الذي يلعبه «برنائيل» في الفلاشا - توجد حكاية أخرى يلعب فيها إبليس دور عزرائيل بشكل مدهش ملفت للأنظار، منتميا أكثر للأسطورة الفلاشية.
فعندما أرسل الله إبليس أخذ حفنة من الطمي من على ظهر الأرض من الخصب والمالح، والتي منها خلق الله آدم، من تلك الحفنة التي جلبها إبليس، وهذا هو سبب قول إبليس: «أأسجد لواحد خلقته من تراب، تلك الحفنة من التراب التي أحضرتها بنفسي؟»
ويجدر بنا الإشارة لما بين الأسطورة الإسلامية والأسطورة الفلاشية، مثل: عقاب برنائيل وتكريم الإله لعزرائيل، فمما لا شك فيه أن للأسطورة الفلاشية تأثيرا على أسطورتي الخلق عند المسلمين، وكذا الأبوكريفا اليهودية ومنابع الأرباب اليهود، على الأقل فيما يتصل بواقعة السقوط التي جاءت بها الأبوكريفا الإثيوبية.
وفي «كتاب إينوش» إذا ما تتبعنا فقط الالتقاء بين هذين المصدرين، كما تبين العالم «ليسلد»، نجد أن النقطة المهمة في هذا التوافق هي الإشارة إلى أرض دلمون، التي ذكرت مرارا في الأسطورة الفلاشية، ولم تكن خطأ مطبعيا في المصدر العربي، فهي نفسها أرض ديدال لكتاب إينوش الإثيوبي، التي ذكرت بوضوح وتعيين: «وقال الرب مرة أخرى لبرنائيل: كتف إدين ورجلين عزرائيل، وألق به في ظلام الهاوية، ثم اصنع انفتاحا في الصحراء التي هي ديدايل، وألق به هناك منبوذا وغطه بالصخور والأحجار.»
ويجمع دارسو الأساطير على أن عزرائيل هنا هو الملاك الساقط أو المطرود، والمصادر الأسطورية الهندوسية المغرقة في القدم (مختلف الإشارات في الفيدا) أكدت أن الأرض الجديدة المزهرة فجأة اغتصبت بواسطة الحية العظيمة: حية البحر العظيمة (المختصة بالنظام الشمسي)، وفي هذا أيضا تشابه مع الأسطورة البابلية للإله مردوك الذي تغلب على التنين البحري. •••
وفي أساطير أقدم، فإن الله خلق مجموعة من الملائكة وسألهم: «أليست هذه رغبتكم أن أخلق الإنسان على صورتي؟» غضبوا: «ما هو هذا الإنسان الذي أنت مشغول به؟» وصرفهم وأتى بالمجموعة الثانية. ففي هذه الأسطورة المبكرة نجد أن مجموعتي الملائكة: الأولى والثانية، عارضت خلق الإنسان، وهي تتفق في هذا مع الفلاشا والإسلام.
والمتنوعات كثيرة، ففي بعض أساطير الخلق الهندية الشائعة التي فكرتها الأساسية أن الإنسان شكل واتخذ هيئته وشكله من قذارة جسد الخالق.
ومن الإضافات المثيرة في أسطورة الخلق المندانية نجد أن روح الإنسان مسيرة خلال رحلتها عبر ممالك الكمال بواسطة برنائيل، أما في أساطير الخلق الآسيوية فإن المتملك لهذه المسيرة هو الشيطان ذاته وليس برنائيل.
وهناك قصة شعرية دينية أخذها اليهود من أصولها الإسلامية، وهي قصة الخلق المحفوظة التي موجزها: أنه عندما نزل جبريل كرسول من الله ليحضر التراب لخلق الإنسان، رفضته الأرض ودفعته بعيدا، فاعترض جبريل محتجا: «لماذا أيتها الأرض لا تسمعين لصوت الله؟» وأجابت الأرض: «إني موعودة مقضي علي باللعنة من الإنسان.»