وأخيرا أمر الإله الأسمى دودة العلق
10
أن تحضر له الطمي، وغطست العلقة في أعماق المحيط وملأت بطنها من الطمي، ثم صعدت إلى سينجابونجا وطرشت الطمي من معدتها في يد الإله الذي شكل الأرض منه.
وهذه واحدة من أوسع أساطير الخلق المتصلة بموضوعنا عن الحكايات الطوطمية الحشرية، والمرتبطة بخلق الأرض عن طريق إرسال نصف رسول منفذ، يأمر فيطيع منفذا.
وهم غالبا ثلاثة طيور أو حيوانات - الثالثة ثابتة - يغوصون وسط مياه المحيط الصاخب لإحضار مادة خلق الإنسان والعالم، وفي بعض الحالات يهدف الإله أن يحضروا التربة من الأعماق، وغالبا ما يفشل الرسولان الأولان، والثالث فقط هو الذي ينجح في إحضار الطمي أو التربة التي عن طريقها ستشكل الأرض.
وفي عديد من قصص الخلق الطوطمية المتنوعة - من وسط وشمال آسيا - يحاول الشيطان إحضار الطمي من أعماق المحيطات، وغالبا ما يفشل مرتين أو ينجح في المرة إلى الحيوات والحيوان.
ونماذج أساطير خلق الأرض لها أشكالها المتنوعة عند عديد من القبائل الهندية القديمة، ووسط وشمال آسيا، وفي شمال أمريكا وغرب الهند الأمريكية.
ففي كينيا تعد قصصا شعبية، وهي أيضا قصص شعبية في أوروبا الشرقية ورومانيا وروسيا وإستونيا وفنلندا وكل مكان.
ونحن لا نقصد هنا طرح الأساطير المتنوعة حول منوعات هذه الأسطورة، أو حتى مجرد تتبع أصلها البعيد، ويكفي أن نلاحظ هنا أن كل الاحتمالات تشير إلى أن الأسطورة الأم منشؤها الهند، كما تؤكده أغلب المصادر الهندية، خاصة في البرجاباتي عند البراهمة، وفيها يتخذ الرسول هيئة الخنزير البري (الحلوف) أو السلحفاة، يغوص في مياه المحيط الفطرية ليحضر مادة الأرض من قاعه.
والغرض من هذا الاستطراد هو في جذب انتباه الفولكلوريين والدارسين لهذه الأسطورة، وللحقيقة العلمية التي ينفرد بها اليهود والعرب والفلاشا والأحباش، ومن جانب ثان لمدى الأهمية التي قد يجنيها باحث الفولكلور وجامعه من مجرد الاهتمام بالحكايات الطفولية لقصص الحيوان والزواحف والنبات الطوطمية.
وتجدر الملاحظة إلى أن المتنوعات السامية لهذه الأسطورة تنفرد باحتوائها على خلق الإنسان الأول - آدم أبو البشر - بعكس الفولكلور اللاسامي الذي تتوقف حدوده عند مجرد خلق الأرض، والأدوات الثلاث المشار إليها وهي: الطمي، الطين، التراب، والتي بحث عنها أنصاف الرسل الثلاثة الذين لا أهمية لاثنين منهما، والثالث فقط هو الذي نجح، والموتيفة الأخيرة شائعة في الأساطير السامية وغير السامية، وليس هناك خط فاصل بين الخلق الأصلي للأرض ومخلوقاتها بعد الطوفان أو فيما قبله.
وتصف أسطورة الخلق عند الشيروس والهنود أن الإله الأكبر «بهاجوان» تضايق من الرسولين الأولين اللذين أخفقا، وأمر الرسول الثالث بأن يحضر الطمي من أي مكان، فأحضره «جارو» من السماء، وليس من أعماق المحيط العميق القديم الفطرية.
وقصة الخلق في الفالاشا تبدأ على النحو التالي: فعندما أراد الله أن يخلق الإنسان، وأرسل رسله الثلاثة من الملائكة الثلاثة: «جبرمائيل، وبرنائيل، ثم ميكائيل.»
ويتشابه النموذج العام لأسطورة الخلق هذه مع واحدة من أهم أساطير الخلق الشعبية لدى مجتمعاتنا الإسلامية، ولها عديد من الأشكال في الآداب العربية الكلاسيكية، كما يوجد أيضا منها عديد من النصوص الشفاهية الحديثة مسجلة من فلسطين وتركيا، ويوجد أيضا أسطورة رومانية مشابهة للأسطورة الإسلامية.
وبشكل مجمل فإن الأسطورة اليهودية والإسلامية متشابهتان ومنحدرتان من أصل واحد، هو الأسطورة الفلاشية
11
برغم أن أسطورة الخلق الإسلامية تحتوي على بعض الاختلاف؛ إذ إنها - أي الإسلامية - تنسب إلى عزرائيل الذي شغل وظيفة ملاك الموت، ويمكن تلخيصها على النحو التالي:
أمر الإله الملاك جبريل أن ينزل إلى الأرض ويحضر حفنة من التراب لكي يخلق منها آدم، وعندما سمع الشيطان إبليس عن مهمة جبريل؛ انطلق إلى الأرض، وتخفى في ثياب ناصح أو ناسك مقدس، وأخبر الأرض أن الله يريد تشكيل مخلوقات من ترابها بهدف أن يسودها على كافة مخلوقات الأرض قاطبة، قال إبليس: «لكني خائف؛ إذ إن هذه المخلوقات ستجدف ضد الله؛ لذا لا تسمحي له بأن يأخذ منك أي شيء.» وبناء عليه تصرفت الأرض، لكن عندما سمع جبريل برفض الأرض، عاد إلى الله بلا تراب، ونفس القدر صادف الملاك الثاني ميخائيل، لكن الرسول الثالث الملاك عزرائيل لم يعط اهتماما لبغي الأرض، مفضلا طاعة أمر الله وأحضر حفنة من مختلف الأتربة، ومن هذا التراب خلق آدم، لكن عندما عاد عزرائيل من رسالته كان مأخوذا، حتى إنه ظل بلا حركة ولا كلام أربعين عاما، وبعد أن سمع الله تقرير عزرائيل باركه كثيرا وكافأه بأن جعله ملاك الموت يقبض