تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعله أيضا أول ذكر لإسرائيل مرادف للبركة، التي سعى إليها ذلك التاجر السامي يعقوب أو إسرائيل وانتزعها انتزاعا.

أما الواقعة الثانية التي تبرز فكرة البركة، فمكانها بعد أن تحقق وعد الآباء في أرض إسرائيل - الولي المبارك - ووجدت أول مملكة أو دولة، والتي فيها أقدم داود على إحصاء شعبه، فكان أن عوقب - نظرا لاقتحامه الزائد المبكر المتمثل في تعداد الشعب - باللعنات الثلاث التي قد نصل بها على مستوى الاشتقاق التخميني اللغوي للبركة، أي الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والحق التاريخي على تلك القصص الإسرائيلية الهابطة المغيرة، تحدوها أساطير أرض الميعاد المرادفة للبركة، التي قد نصل بها على مستوى الاشتقاق التخميني اللغوي للبركة، أي بركة - بكسر الباء - الماء وموارده كمرادف أيضا للخير؛ ومن هنا فما تزال هذه الأفكار الخرافية عن ارتباط البركة ببرك الماء الآسن المنتشرة على طول قرى البلدان العربية، والتي يتبرك بها بالفعل، وهي مصدر تخلف صحي محقق.

وتتبدى شعيرة البركة هذه خلال تبادل التحايا والأدعية : «الله يبارك فيك»، وبخاصة في المعاملات التجارية وإتمام الصفقات: «الله يباركلك، ومبروك». ومع كل جديد أو بدء أو أول، سواء حصاد المحاصيل، أو ارتداء ملابس وأحذية جديدة، كما تتبدى بكثرة في الأسماء: مبروك وبركات وبركة، وبكثرة مفرطة في الحكايات الخرافية العربية عامة والمصرية خاصة، وهي حكايات أقرب إلى المأثورات، قصيرة متماسكة محكمة التصميم والبناء.

من ذلك ما توصلت إلى جمعه من حكايات، ومنه أن فلاحا أجيرا ثقل عليه الجوع، فذهب لزراعة أرض مالك، وافقه وأعطاه أردبين من القمح ليبذرهما، فأكلهما هو وأولاده، وبذر بدلا منهما أردبين من الرمل، وما إن ذهبا هو ومالك الأرض ليريا المحصول حتى وجد الفلاح أن ما بذره رملا طرحت فيه البركة فأنبت قمحا مزهرا.

أما عن أجير آخر، فما إن يحين أوان الكيل للمحصول لأخذ حصته من المالك، حتى يصل كيله للغلة إلى 8 زكائب بدلا من 12، ومرجوع الفرق هنا إلى أن الأجير الزارع مبروك كما تكشف الحكاية.

فترد تنويعات حكايات بسطاء الناس المبروكين بكثرة، وكذا الزوجات والأطفال - الموعودين القدريين - كما قد تختص بها - أي البركة - بعض الحيوانات والطيور، من ماعز ودجاجات تبيض ذهبا وجمال وأبقار. من ذلك أن رجلا اشترى بقرة من السوق، وفي البيت حين أقدموا على حلبها اكتشفوا أن لها ثديا واحدا بدلا من أربعة كما هي العادة في حالة الأبقار السوية، لكن ولأن زوجة الشاري بيدها البركة، حلبت البقرة بأثدائها الأربعة.

كذلك فقد نصل بسلطة البركة داخل عينات هذه الحكايات من خرافية وشعبية، إلى حد أن الأولياء في مقدورهم إحياء الأطفال الذبيحة والمحترقة بالبركة لا غير.

وعادة ما تلازم الثنائية مثل هذه الحكايات، فحيث تلازم البركة الشخص الصالح ممثلة في فتح مغارة، أو كنز، أو إتيان أفعال صغيرة كالأكل والشرب، تصل الشخصية إلى مبتغاها، بينما تخفق نقيضتها الطالحة أو الشريرة.

وفي حكاية مصرية من هذا النوع، تتفتح الكنوز للأخ الذي يندس في ذكر للأولياء، منشدا: «الله حي، اللي راح أحسن من اللي جي» كمقولة سلفية، بينما يخفق الأخ الطالح المستقبلي الذي يقلده مرددا: «الله حي، اللي جي أحسن من اللي راح».

فكما أوضحنا فهناك وثاق جوهري بين أفكار البركة وميكنزمات العقل الجبري الأسطوري القدري العربي بخاصة، والسامي بعامة، واستنادا إلى مقولة دين لاين غير المقننة كما ينبغي، عن خاصية تراث الحكايات الفولكلورية العربية، من خلال ألف ليلة وليلة، مشيرا إلى أن «الحكايات العربية لا تعرف في النهاية سوى إله واحد هو الله»، وهذا الإله ليس له سوى رسول واحد هو محمد، وهذا الرسول لم ينزل عليه سوى كتاب واحد هو القرآن، ولا يعترف هذا الكتاب سوى بفكرة واحدة هي الإيمان بالقضاء والقدر، وفي هذا الإيمان بالقضاء والقدر - الذي يمثل الخضوع المطلق لله - قوة صلبة، كما أنه يؤدي بصفة خاصة في مجموعة سلسلة الحكايات الخرافية النجيبة إلى معرفة عقيدية خالصة بالطبائع الغريبة للأشياء.

الحكايات الشعبية العربية · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحكايات الشعبية العربيةص ٤٤