ولقد ساق هذا الباحث الألماني رأيه هذا في مواجهة، أو هي مناظرة بين التراثين الآري الهندي الفارسي المنفتح، مع متاخمه - ولنقل: مزاوجه - التراث العربي السامي القبلي المنغلق، المعادي في كل حالاته للحتميات التقنية الحياتية.
ولعلها حالة، بالمعنى الوبائي، تشكل جذبا قويا وميسرا للقوى الرجعية الفاشية الإمبريالية في مداها الأخير.
فكيف يمكن أن تتلاءم وتستقيم مفاهيم البركة الشعائرية أو الطقسية مع الاحتياجات والحتميات العلمية التقنية بجفافها الرياضي المعهود.
ولعله من هذا المسلك تفشت وأفرخت أوبئة الأمية والانفجارات السكانية والأبنية السلوكية والخلقية، خاصة على المستوى السياسي.
ومن هنا يمكن التوصل إلى ما أصبح يطل من شعارات نقطة بدئها تجيء كالآتي: «من التراث إلى الثورة»،
4
دون إدراك لثقل وجسامة هذه الموروثات الموغلة في غيبيتها، وفي بسط الرزق وكذا الحظوظ لمن تشاء دون حساب.
والسؤال هنا: أي تراث وأية ثورة؟
ذلك أن المعضلة الحضارية أكثر وعورة مما يتصور الكثيرون من الثوريين حسني النية والمقصد.
فلقد تسللت مثل هذه الأفكار - التي لا قوام مادي أو عقلي لها - داخلة في مجمل حياتنا، بدءا باللغة وتعاويذها وبنائية اللسان العربي، وكذا بقية المعاملات والممارسات من تجارية لا نهائية.
ولعلنا لا نبعد كثيرا إذا ما ربطنا بين البركة وبين بنية العقل الفاشي في مجمله، المعادي في كل حالاته للالتزام بخطة وبرنامج عمل؛ لذا فهو منتكس في معظم أحواله بإزاء حتميات المستقبل.
فكما نرى فالعقل العربي محبط على الدوام بالآنية وما تقتضيه وتستلزمه من تكنيك موصل في أحسن حالاته إلى باب المصيدة اليومية، دون دراية كافية بالانفتاح الاستراتيجي المستقبلي بالضرورة، ففي لجوء العقل العربي إلى التجريد المطلق تأكيد لمكوناته ومنطلقاته الغيبية الأسطورية.
ومن هنا جعل من البركة إلها يزور أبطال الحكايات الخرافية في منازلهم وحوانيتهم وحقولهم، في تناظر مع بقية توابعه من آلهة للرزق، وأخرى للسعد والبخت، ورابعة للعقل والحكمة، والأمر لا يبعد كثيرا بنا اليوم عن تراث العرب - البائدة والمندثرة - الجاهليين.
الفصل السادس
| حكايات الحيوان الطوطمية العربية
وفي حالة تعرضنا لحكايات الحيوان والطيور، التي يرى البعض أنها أكثر قدما من الأساطير، وأنها ترجع إلى مراحل التوحش والبربرية والطوطمية، فهي حكايات أقرب إلى التعليمية أو الشرح والتفسير، كما أنها حكايات ملخصة، غاية في الدقة من حيث التصميم والتلخيص، ولها مغزاها وحكمتها ودقة ملاحظتها بالنسبة للطبيعة وغموضها، وكذلك بالنسبة لحكمة الإنسان البدائي وفلسفته، بإزاء قدرات الحيوانات والطيور والزواحف والهوام والنباتات التي حرم منها الإنسان بعجزه على الطيران، والغوص في الماء، وقوى الحيوانات الوحشية والبهيمية وهكذا.
ويحتفي دارسو الفولكلور بحكايات الحيوانات والطيور والنباتات والزواحف احتفاء خاصا، هذا على الرغم من إيجازها الشديد، بل وواقعيتها الشارحة المحددة، وهناك من يرى أن حكايات الحيوان هي بداية الأساطير، وأنها أكثر قدما وبدائية منها؛ إذ إنها كانت وعاء لشرح وتقديم الأفكار والمعتقدات؛ أي إن أكثر هذه المعتقدات كان يتجسد في شكل حيوانات وطيور، فالإله زيوس كان نسرا، والإلهة أثينا كانت بومة، وهيرا كانت بقرة، والإله النوردي ثور كان طائر جنة صغيرا، والإله تير كان ذئبا، مثله في هذا مثل الإله الروماني مارس، وضريبه السليني ديباتر.
كما أن هناك شبه إجماع من جانب دارسي الفولكلور على أن قصص الحيوان الشارحة هي المصدر الأم أو الأصل التي منها انحدرت الخرافات.
وقصص الحيوان الشارحة هي تلك القصص التي فسر بمقتضاها الأقدمون الفرق بين حيوان وآخر، بين طبيعة ولون وخصائص الذئب عن الحمل، ولون الحمامة الأبيض المخالف للون الغراب الأسود، وكذلك التفسيرات الغيبية التي فسر بها البدائيون السبب أو السر في بريق عيون القطط في الظلام، واستطالة أذني الأرنب والحمار، واختفاء الخفافيش عن العيون نهارا هربا من الدائنين، وغوص الطائر البحري إلى أعماق الماء بحثا عن الأشياء الغارقة من حطام سفن وغيرها.