تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت رأفة جم على رعيته كرأفة الوالد بولده، وكان صنع الضحاك بالرعية صنيع الضرة بالضرة، وكان أفريدون لرعيته كالأخ لأخيه، وكان أفراسياب للرعية كالعدو للعدو، وكان بشتاسف للرعية كالمؤدب للصبيان.

ولما تجبر «جم» وادعى الألوهية قصده الضحاك الحميري - المسمى بالفارسية بيوراسف - من أرض اليمن في جيوش كثيفة وشوكة شديدة، فانقض عليه انقضاض العقاب على الأرانب، فهرب منه جم متنكرا، واستولى الضحاك على ملكه، وطارده حتى ظفر به فصاده كما يصيد الهر الفأر ونشره بالمنشار، ويقال إنه ألقاه إلى السباع.

فالعجم تسميه بيوراسف، والعرب تسميه الضحاك، وسماه أبو نواس بالخابل.

وكان أبوه ملك اليمن، ثم زين له الشيطان قتل أبيه فقتله، وما زال الشيطان يستدرجه ليأكل من كل لحوم الطير حتى لحوم الحملان، ومنها إلى لحوم الضأن والثيران، إلى أن نفخ في منكبيه من خبثه وسحره فخرجت حيتان سوداوان كلما قطعتا عادتا كما كانتا، وكلما قام من النوم أوجعته الحيتان، وأكلا مخ البشر وسكنا وهكذا، فكان ساحرا ماهرا. وعن ابن الكلبي أن الضحاك أول من سن القطع والصلب، وأول من سن العشور وضرب الدراهم والدنانير، وغنى وغني له، لكن إبليس زين له الكفر والفجور.

وذكر الطبري أنه وقع له شيء من كلام آدم فاتخذه سحرا يعمل به.

وكان إذا أعجبته امرأة أو غلام أو دابة، نفخ في قصبة من ذهب فكان يجيبه. وتنسب له حكاية الطباخين: أرماييل وكرماييل، اللذين أمرهما بقتل الشبان، لكنهما رقا للشبان المذبوحين، فكانا يذبحان عنزا بدلا منهم يوميا، ويتفرقون في الجبال حتى أصبحوا أمما «فهم أصول جميع الأكراد في نواحي البلاد».

13

إلى أن خلف الضحاك على عرش فارس ملك هو أفريدون الذي تنسب له أساطيرهم أنه ملأ الدنيا عدلا بعد جوره، إلى أن دخل عليه أفريدون وقتله بالعمود الذي في رأسه صورة ثور، وقطع من جلده وترا قيده به، وحمله إلى جبل دنباوند وحبسه في بئر هناك، وقال له الضحاك: إنما تقتلني بجدك جم.

وذكر أبو تمام قال:

ما نال ما قد نال فرعون ولا

هامان في الدنيا ولا قارون

بل كان كالضحاك في سطوته

بالعالمين وأنت أفريدون

ويدعي المجوس أنه محبوس حي بجبل دنباوند كإبليس إلى يوم القيامة، فاتخذ الناس يوم حبسه عيدا سموه «مهرمن مهرماه» أي المهرجان. ومن أقوال أفريدون: «من لم يعرف مكاسبه فهو متهم بالسرقة»، و«الخائن لا يعتمد أحدا»، «العبيد خمسة: الخباز والطباخ والساقي والفراش والوصيف.» «أما الأعداء الخمسة فهم: السفلة والحاسد والعبد والمرأة والمستعمل على العامل مكانه.»

ووزع ملكه على أولاده الثلاثة: «سلم وتوز وإيرج»، فإيرج ملك إيران إلى جانب أبيه أفريدون، لكنهما تآمرا عليه فقطعا رأسه وأرسلاها إلى أفريدون، وكتبا إليه: «هذا هو الرأس الذي آثرته علينا.» وجزت أربعة آلاف جارية شعورهن حزنا عليه، أما الملك فضعف بصره، وكان يضع رأس إيرج على الرماد في إناء من ذهب وينوح عليه حتى ينام.

ثم تملك منوجهر بن إيرج العرش وعندما تحاربا وقطع رأس توز أرسلها لأبيه أفريدون فقال: «لا مرحبا بدهر أحوجني إلى أن أقتل بعضي ببعضي.»

وتملك منوجهر وخطب في الناس: «لقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها، وما بقاء فرع بعد ذهاب أصله.» وهو أول من خندق الخنادق، وأول من اتخذ لكل قرية عمدة، وكان قائده سام بن نريمان، ولقبه عمدة الدنيا، وكان يتمنى مولودا، ولما طعن في السن فرزق بولد أبيض شعر الرأس والحاجب والأشفار، فأنكره وأهمله، وحملته العنقاء وربته في أعلى الجبال الشاهقة، إلى أن جاءه أبوه واسترده وسماه «زال» أي الشيخ، وطلب الملك أن يراه وعشقته ابنة مهراب ملك كابل حين سمع بجمالها.

وأنجب زال رستم بطل الفرس الذي أحضروا له الخيول فتطأطئ تحت ثقل يده عليها، إلى أن جاءوا له بفرسته الموعودة به، وحارب الترك، وبعد أن مات كيقباد تملك ابنه كيكاوس الذي يسميه العرب قابوس، «وكان عجيب الشأن شديد التلون، فطورا ملك رشيد وطورا جبار عنيد، تارة سديد وأخرى شيطان مريد»، فنهض من بلخ في عساكره إلى اليمن لمغالبة ملكها، وكان يقال له بالفارسية: شاه هماوران؛ أي ملك حمير، وبالعربية «ذو الأذعار بن ذي منار بن الرائش»، وفي الحرب اصطلحا وأدى له ذو الأذعار الخراج، وزوجه سعدى التي يقال لها بالفارسية: سوذانة، وبعد أن زوجه إياها أوقع ذو الأذعار به وحبس كيكاوس في بئر، وأطبق عليه صخرة، وظلت سعدى تزوره وترعاه إلى أن جاء رستم لينقذه بعد سبع سنين.

الحكايات الشعبية العربية · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحكايات الشعبية العربيةص ٤٢