خلاصة القول أنه أصبح اليوم في مقدور أي باحث أن يرسل في طلب منوعات أي فكرة أو جزئية محددة أو عينية من أحد المراكز الدولية للفولكلور لتصله على الفور هذه المنوعات ومترادفاتها على مستوى القارات الخمس، يكفي - مثلا - أن تطلب منوعات جزئية الأطفال الموعودين ... وكذا ما يتصل بطرح الطفل حديث الولادة في الماء؛ للتعرف على شرعية تملك الطفل حين يطفو على وجه الماء، وما يتصل برجم الحيوان - الثور - النطاح أو الزاني، وقدح يوسف، وقراءة الفنجان والمندل، ودق النواقيس والأجراس، وفولكلور المعادن، والأشجار والطيور والحيوانات، وجلد الماعز، ودم الحيض، وتقديس الأرقام (5 / 12 / 72) والطهارة والنجاسة والاستنجاء، وتقديس عتبات البيوت والأحجار، والجهة - مثل القبلي - وأربعة أركان التابوت، أو الجهات الأربع، أو الأقطاب الأربعة، وكذا الصيام، والعدد وإقلاله البركة.
وكذا الختان وأخذ الوش - غشاء البكارة - والثنائية أو صراع النور والظلمة، وخرافات الجان والعفاريت والهواتف والنداهات، وحكايات اللصوص والشطار وذوي العاهات والأبطال الخرافيين، أو المغامرين النزقين الذين يغلب عليهم الذكاء وسعة الأفق والحيلة، وهي خصيصة يتميز بها فولكلورنا المصري والعربي في إطار فولكلور البحر المتوسط بعامة.
ومن هنا تشتد الحاجة إلى محاولة وضع تصنيف للحكايات العربية من منطلقها الأشمل - أي العربي السامي - مع مراعاة الخصائص والسمات القومية المميزة، سواء تلك التي جرى الاتفاق عليها ممن تعاقبوا على دراسة فولكلورنا، وكذا شعائرنا، منذ روبرتسون سميث وموسوعته عن الأديان السامية، ونولدكه، وتيودور بنفي، حتى روبرت جريفز وليفي شتراوس، وتباعا حتى سميث وغيرهم.
كما تجدر مراعاة الخصيصة الاستراتيجية أو الجوهرية لهذا التراث القبلي المحمل ببذوره ومكوناته الأولى الفاشية العنصرية في تشريعها، بل تقديسها للحرب والإبادة وصراعات تملك المياه (من آبار ماء لأنهار لمجتمعات زراعية)، وكذا صراعات الهجرات وتملك الأرض أو الحما، والتوسل من أجل هذا بأساطير أرض الميعاد التي لم يبرأ منها شعب أو قبيلة أو رهط أو جماعة، من كيانات وحضارات الشرق الأدنى القديم، خاصة بالنسبة للمجتمعات البدوية الرعوية في اليمن والجنوب العربي أو الجزيرة العربية بعامة، دون إغفال لأسطورة أرض الميعاد العبرية، وما ترتب عليها من إغفال للحق التاريخي لأرض - شعب - فلسطين.
6
وعلى هذا فرضت علي هذه الخصيصة القبائلية أن أولي اهتماما مفردا لها من حيث التصنيف للحكايات - القبائلية - الأسرية أو القرابية، بدءا من حكايات وفابيولات أنا وابن عمي على الغريب، و«انصر أخاك ظالما أو مظلوما»، ومرورا بمن فات قديمه تاه وانقطع، وكيف أن الغربة عن الحما - حما القبيلة الذي اتفق على حدوده الآمنة بسماع نباح كلاب القبيلة - تقل الأصول وتزول، مع ملاحظة أن الحما هو بذاته - ما أصبح - الوطن بمفهومه الحلقي المحلي للكيانات والمجتمعات الصغيرة المغلقة بسماتها ... من قرابية عشائرية لعنصرية طائفية.
بل إن هذا الملمح القبلي لفولكلورنا وحكاياتنا هذه، بالإضافة إلى الملاحم والسير بخاصة، فرض وجود بطن أو فخذ من داخل كل قبيلة ورهط وكيان، يحفظ لها أنسابها التي غالبا ما تنتهي عند شيت
7
ابن آدم «الذي عنده تنتهي أنساب جميع البشر».
وهو بالطبع ملمح أو خصيصة لا يقتصر علينا، بقدر ما هو منسحب على العالم القديم برمته، فأهل نيوزيلنده القدماء لديهم - كما يذكر كراب - من تخصصوا في حفظ الأنساب القبائلية، ونفس الشيء بالنسبة للقبائل العبرية، وقبيلة الماجي المجوسية عند القبائل الفارسية، ثم النسابة العرب.
وطبيعي أن يرتبط بالقبلية والعشائرية تقديس مطلق للأرض والدم والثأر، ونظم التوريث وحفظ النسل، والزواج من داخلي لخارجي، وأبوي بطركي لأموي، وما يتبع هذا من الأخذ بنظم تقويمية أو قمرية كما يشير بهذا الفولكلوريون الأنثروبولجيون، وهو ما لا يزال ساريا بالنسبة للتقويمات العربية الإسلامية القمرية أو الهجرية، وكذا العبرية.