فمن المتفق عليه أن روافد وقنوات المنطقة العربية - أو السامية القديمة - لن يتكشف ويتبلور ملمحها الفولكلوري والتراثي بعامة إلا تبعا لإيقاع المستقبل وتوالي المزيد من عمليات الكشف الحفري الأركيولوجي للتراث السامي الأم والمنبع، بما يسهم بالتالي في إضاءة جوانب فولكلور وتراث عالمنا المعاش اليوم، كما أنه في مقدور هذا المعاش اليوم إنارة جوانب الماضي التاريخ.
ولعلني مقتنع برأي عالم الفولكلور الفنلندي أنتي آرني
Arnee
في قصر الدراسات الفولكلورية على مجالها وحقلها قبل النظر إليها كعامل - جانبي - مساعد لحقول أخرى مثل الأساطير أو الشعر الملحمي مثلا، وهو ما يؤخذ على الأخوين جريم، خاصة يعقوب الذي اعتبر الحكايات الخرافية الشعبية «ذات أهمية لفهم الشعر والأساطير والتاريخ للتاريخ القديم»، وهو بالطبع رأي سديد في حالة الأخذ في الاعتبار أن لهذه الحكايات الخرافية دورها - لذاتها - القاصر عليها وعلى مشاكلها وقضاياها لذاتها.
من ذلك أن الحكايات الشعبية يمكن أن تكون بلا فائدة تذكر ما لم يكن تاريخها قد تقرر خلال الفحص والاستقصاء المقارن ... وبالطبع لا يمكن عقد هذه المقارنة دون توفر وتراكم الجزئيات
Motifs
أو عناصر وأحداث الحكايات الشفاهية - والمدونة - الفولكلورية بأنواعها وأنماطها وتصنيفاتها المختلفة، خاصة التصنيف المعدل المتفق عليه لعالم الفولكلور الأمريكي سيث تومسون، الذي نشره في قاموسه - الفهرست - طرز الحكاية الشعبية، وقسم فيه الحكاية حسب موضوعاتها إلى خمسة أبواب و32 مدخلا، ذلك مع الأخذ في الاعتبار الجزئيات أو العبارات أو التضمينات المتناثرة لكل حكاية، وتصل إلى أعداد بالغة الضخامة، فيقدرها البعض - مثل «كراب» - بأنها تزيد
3
على العشرة آلاف جزئية، ومنها بالطبع ما هو ثابت وما هو مستحدث مستجد، أمكن للدراسات والمناهج الجديدة رصد التوزيع الجغرافي لمختلف أنشطته الفولكلورية، سواء أكانت حكايات خرافية أو حكايات فشر، من أمثلتها:
يا ليل يا عين ما عرفش أكذب، «والضفدعة راكبة مركب»، «وأبو فصادة حارسها»، «والقط لسود ريسها».
أو كانت حكايات جان وعفاريت وعالم ما تحت الأرض، أو كانت حكايات هزلية أقرب في تعميمها إلى النكات والقفشات والنوادر المرتبطة أكثر بالحياة اليومية وضغوطها، فهي غالبا ما تتندر بغياب العدالة، والقضاة المرتشين، والحكام السفهاء، والوزراء الحمقى، وأفعوانية وتهافت ونفاق المشعوذين وتجار الأديان وخصيان السلطة.
فمثل هذه الحكايات الهزلية قد تخلو من عناصر الخرافة والخارقة، وإذا وجدت فهدفها بلورة الموقف الانتقادي الساخر، وخير مثال لهذه الحكايات: حكايات إيسوب، والديكاميرون لبوكاشيو.
وأقدمها أوديسا هومير الذي سخر من آلهة الأولمب إلى حد المسخرة، وبلاوتوس - الجندي المجيد - والمؤرخ الهليني اليهودي فلافوس يوسيفوس، وبوكاشيو في ليالي الديكاميرون، وسترابا رولا في العصور الوسطى.
وحتى لا نخرج على موضوعنا، نعود إلى تأكيد أن قنوات رصد مختلف أفرع الحكايات الفولكلورية شديدة التخصص ورصد الجزئيات أو العبارات أو المقولات الرئيسية، التي كما ذكرنا تصل إلى آلاف مؤلفة، منها: سكك السلامة والندامة، واللارجعة، وتحولات الإنسان إلى حيوان، والجارية أو الزوجة المضطهدة مثل هاجر وراحيل
4 - أم النبي يوسف - ورجم القردة والحيات والقنافذ - غنم سيدنا شعيب - الزانيات، وكذا تحولات سحر الشبيه - أو الشبشبة - الذي ينتج الشبيه، وتأثير الأشياء المتصلة في بعضها البعض عن طريق الأثر أو الأتر
5
كوسيلة لإخضاع الظواهر الطبيعية، وكذا سحر المشاركة والتمثل أو التوسل بالضحية أو خروف العيد - الكبير - والتضحية بالأبناء فاتحي الرحم، وكذا الأطفال الموعودين الذين تصاحب الخوارق أو الكوارث مولدهم، مثل: إبراهيم ويوسف وموسى وسميراميس وأوديب والمئات غيرهم.