تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخيرا نجد أنه في حالة العودة إلى نقطة انطلاقنا حول المنابع الأولى لفولكلورنا وأساطيرنا العربية بعامة، وحكاياتها الخرافية بخاصة، نجد الآتي: (1)

أن العلوم الطبيعية لم تحرز تقدمها المحقق إلا بعد جهود محققة في مجال التصنيف المنهجي للأشياء وعناصرها، ونفس الشيء يجري سريانه بالنسبة لتراثنا ومأثوراتنا وحكاياتنا الخرافية هذه، سواء فيما يختص بالتركة الحفرية الأركيولوجية للحضارات المكونة والمتعاقبة على شرقنا الأدنى القديم منذ السومريين وورثتهم العرب البابليين، أو ما يخص الجانب الشفهي والمدون والمتواتر المعاش اليوم والآن، والذي ما يزال إلى أيامنا ضنينا جنينا يواصل تواتره وكذا ممارسته. (2)

في حالة ربط عجلة هذا التراث بالتربية أو أنماط تربية الأطفال وتنشئتهم، يمكن القول بأن تجبر هذا التراث المحاط بكل شعائر التحريم والتابو والأنيمزم، والمسميات السلفية للتراث الخالد بما يستلزمه من حفظ وتجويد، وبما يحفظ ويجبر كل جيل على الخضوع للجيل السابق له، في حين يسيطر على الجيل الذي يليه، كما أشارت مارجريت ميد. (3)

تجميع محاولات التصدي لإقامة علم حقيقي يمكن إشهاره كسلاح عقلي في مواجهة الخرافة وانسلاب العقل العربي، دون يأس وحسرة من وعورة مواصلة التقدم واقتحام المحرمات والتحديات التي تفرضها الطبقات السلطوية صاحبة المصلحة العليا في الإبقاء على الخرافات كمنزلات، بدلا من كونها حفائر حجرية.

أخيرا ... إذا كنا قد بدأنا هذه الدراسة حول المنابع والجذور الأولى لتراثنا من تاريخية زمانية، فمن الأجدى لنا استكمال الجانب المكاني، ولنقل: المؤثر الأقرب، والمكون لسمات هذا التراث المترامي، وفي إطار البحث المضني عن منهج أو عن مفهومات للإلمام الاستراتيجي العام بالقدر المتاح.

والجانب المكاني هنا يكتمل بمعرفة الدور الآري الآسيوي المناوئ والمغلب على الدوام، وأخصه هنا الدور والإشعاع الحضاري الأقرب إلى التجانس للفرس الإيرانيين العجم منذ أقدم العصور، فحتى الحروب القبائلية الطاحنة بين كلا الفرس الآريين والعرب الساميين، يمكن اعتبارها مجرد مداخل لاستجابة قوى التوحد

7

الضاربة الجذور بين العرب الساميين والفرس الآريين.

الفصل الرابع

| العلاقات التاريخية والتراثية بين الساميين العرب والفرس الآريين

نظرا للتزاوج الواضح الشديد بين التراثين المتتاخمين: السامي العربي والآري الهندي الفارسي منذ أقدم العصور، أو منذ فجر التاريخ في آسيا الغربية منذ منتصف الألف الثالثة ق.م، خاصة وقد تسبب هذا الامتزاج الحضاري بعامة، والتراثي الأسطوري الفولكلوري بخاصة، في إيقاع عدد من رواد الدراسات الآرية والسامية والفولكلورية بعامة - وأخصهم جريم وبنفي والمدرسة الشرقية في مجملها - في كثير من الأخطاء المنهجية حول أصول ومنابع التراث الأوروبي وقنوات هجراته؛ مما نتج عنه إغفال لدور بلداننا العربية أو الشرق الأدنى القديم كمعبر

1

ومؤثر حضاري للتراث الأوروبي.

ونظرا لاحتياجنا نحن هنا في عالمنا العربي إلى المعرفة بأصول ومنابع وقنوات تراثنا، ما شابه وخالطه من مؤثرات، خاصة وأن الشرق الأدنى القديم كان منذ أقدم عصوره وأطولها مجالا سجالا لتنازع كلا الساميين والآريين، وأخصهم الفرس الإيرانيين.

فظهرت بذور الارتباط منذ ظهور العيلاميين في فترة لاحقة لعصر جمدة نصر في سومر ما بين النهرين 2900ق.م، كذلك بين الهندوإيرانيين الميديين والبارسيين الذين تملكوا إيران منذ مطلع الألف الثانية ق.م، رغم أن مخلفاتهم الأثرية لا تكشف أبعد من القرن التاسع ق.م، فأقاموا الإمبراطورية الآخية الآرية التي كان لها أشد التأثير في بابل بالعراق منذ تملكوها تحت اسم الكاشيين.

ومع بداية الألف الثانية ق.م، ظهرت قوة مؤثرة جدا وهم الحيثيون في مجمل آسيا الصغرى، ومعروف دورهم الأناضولي التركي منذ بدء ظهورهم على مسرح أحداث الشرق العربي، ومؤثراتهم التراثية الحضارية على مدى أربعين قرنا.

الحكايات الشعبية العربية · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحكايات الشعبية العربيةص ٣٦