12
أرضا طاهرة مشرقة نظيفة معدة للحياة، لا تعرف المرض ولا الموت، لكن لم يكن ينقصها غير الماء العذب الملائم لحياة الحيوان والنبات، فيأمر إله الماء العظيم «إنكي»، يأمر «أوتو» إله الشمس أن يملأها بالمياه العذبة النابعة من الأرض، وهكذا تحولت دلمون إلى حديقة إلهية خضراء بالحقول المزهرة بالأثمار والرياض، وفي هذا الفردوس الإلهي خلقت الإلهة «ننخرساج»
13 (الإلهة الأم) العظمى عند السومريين، ولعلها «الأرض الأم» في أصلها ثمانية أنواع من النبات تنمو وتزدهر، لكن لم تفلح هذه الإلهة في أن تظهر النباتات إلى الوجود إلا بعد عملية معقدة شملت ثلاثة أجيال من الإلهات، ولدن كلهن من إله الماء إنكي، وقد أكدت القصيدة أن ولادتهن تمت بدون أدنى ألم عند المخاض.
ولما أراد إنكي أن يذوق طعم هذه النباتات أمر رسوله المسمى «إيسمد»
14 - وهو إله يمثل بوجهين - أن يقطف له من هذه النباتات العجيبة، فأتى بها الرسول وقدمها للإله الأعظم، فأتى عليها كلها بالترتيب. لكن لما علمت «ننخرساج» بالأمر غضبت ونطقت
15
بلعنة الموت على الإله «إنكي»، ولكيلا تتراجع في قرارها اختفت من بين الآلهة.
وكما يتضح فالأمر لا يبعد كثيرا عن إقدام آدم - أبو البشر - بتحريض من حواء الأولى على الأكل من الشجرة أو الفاكهة المحرمة، وما أعقب هذا من طرده من الفردوس إلى جحيم الأرض، وإدماء حواء والإنقاص من قدرها، وتوحدها بالحية والشيطان.
وبدأت صحة «إنكي» تتردى، ومرضت ثمانية من جوارحه (أعضائه)، واغتم الآلهة العظام لمرضه وحزنوا عليه وجلسوا في الرغام، حتى إنليل نفسه إله الهواء - كبير الآلهة السومرية - لم يتمكن من إنقاذه، فانبرى الثعلب وقال للإله «إنليل» إنه إذا أحسن مكافأته فسيأتي بالإلهة «ننخرساج» من مخبئها، ونجح الثعلب بحيلة ما في إرجاع الإلهة الأم، وشفي إنكي المشرف على الموت - المقارنة مع التوراة.
فالفردوس الإلهي فكرة سومرية المنشأ والأصل في أرض دلمون، وهو نفس الموضع الذي عينته الأساطير البابلية للساميين الذين غزوا السومريين وأخضعوهم، وسموا هذا المكان «أرض الأحياء» التي يعيش فيها الخالدون، ثم فردوس التوراة، وهو «بستان» غرس شرق «عدن»، المكان الذي تنبع من مياهه أنهار العالم الأربعة ومنها: دجلة والفرات.
والجزئية الخاصة برواء دلمون من جانب إله الشمس بالماء العذب الذي ينبع من الأرض، لها نظيرتها في التوراة: «ثم خرج من الأرض ضباب، فسقى وجه اليابسة جميعه» (ت2-6)، وولادة الإلهات التي تمت بلا مخاض وألم، ثم لعنة حواء، وإشراكها أسطوريا في دم الإله الذكر الذبيح.
وكذا أكل الإله إنكي من النباتات الثمانية، ولعنة آدم بعد أكله من شجرة المعرفة.
ثم فكرة خلق حواء «أم جميع المخلوقات» من ضلع آدم، وحواء كما وصفتها التوراة بأنها «تلك التي تحيي؛ أي تسبب الحياة»، ففي الأسطورة السومرية كان أحد أعضاء إنكي الذي أصابه المرض هو «الضلع»، والكلمة السومرية للضلع هي «تي» وسميت الإلهة التي خلقت من أجل أن تشفي ضلع إنكي باسم «نن-تي» أي «سيدة الضلع».
وأول من سبق أن اهتدى إلى تفسير فكرة الضلع التوراتية - في أساسها السومري - الباحث السومري الأب شايل:
في دلمون لا ينعق الغراب الأسود،
ولا يصيح طير ال «أندو» ولا يصرخ،
ولا يفترس الأسد،
والذئب لا يفترس الحمل، ولم يعرفوا الكلب المتوحش الذي
يفترس الجدي، ولم يعرفوا ... الذي يفترس الغلة، ولم توجد الأرملة
والطير في الأعالي، والحمامة لا تحني رأسها،
وعجوز دلمون لا تقول أنا عجوز.
أما العبارات التي تصف ولادة الإلهات بلا ألم، والتي تمت بعد حمل 9 أيام بدلا من 9 أشهر:
لقد عانقها وقبلها «إنكي» وأودع البذرة في رحمها،
فأخذت البذرة في رحمها، أخذت بذرة إنكي.
ومضى يوم واحد فكان شهرها الأول، ومضى يومان كانا بمثابة شهرين من أشهرها،