تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلعل أول أفكار عن خلق الإنسان من طين العمق، وبقية الأفكار اليوتوبية الإسلامية لها جذورها السومرية.

وفي عام 1951 وجدت ترتيلة قوامها «250 سطرا» من بين 19 لوحا وكسرة من لوح، عثر عليها في تنقيبات مدينة «نو»، تصف الإلهة «نانشة»:

الإلهة نانشة

9

التي تعنى بالأرملة،

التي تنشر العدالة لا فقر الفقراء.

إن الملكة تأوي اللائذين بحضنها وحماها،

وهي التي تهيئ المأوى للضعفاء.

لقد وجد النص الذي يروي قصة خلق الإنسان منقوشا على لوحين مكررين لنص واحد، جاء أحدهما من مدينة نفر، وهو محفوظ بمتحف جامعة بنسلفانيا، والآخر بمتحف اللوفر، ونشر «ستيفن لنجدون» قطعتين منهما عام 1919، ونشر «إدوارد القطعة الثالثة عام 1934، ثم نشر كريمر الأسطورة كاملة في كتابه «الميثولوجيا السومرية» ص68-72.

وتبدأ الأسطورة بتذمر الآلهة في الحصول على قوتهم بعد أن جاءوا إلى الوجود، لكن «إنكي» - إله الماء الذي كان من المتوقع أن يخف لنجدتهم بصفته إله الحكماء - ظل مضطجعا في مياه «العمق» غير مكترث لشكاتهم، ثم نجد أن أمه الإلهة التي تمثل «البحر الأول» (وهي الأم الأولى التي ولدت جميع الآلهة) تأتي بدموع الإلهة إلى «إنكي» وتخاطبه قائلة:

يا بني قم من فراشك واعمل ما هو حكيم لائق،

اصنع عبيدا للآلهة عساهم يضاعفون عددهم.

فتدبر الإله «إنكي» الأمر، وقال لأمه: يا أماه، إن المخلوق الذي نطقت باسمه موجود،

فاربطي عليه صورة الآلهة.

أعجبني رب الطين الموجود فوق «مياه العمق».

كما يرد في هذا النص أول ذكر لقدر

10

الإنسان ومصيره الملازم لولادته، وهو الملمح أو الخصيصة الأولى للتراث العربي إلى أيامنا حين يذكر الإله إنكي: يا أماه قدري مصيري، إنه الإنسان.

وعلى هذا النحو الأسطوري السومري - الذي توارثه العرب الساميون - ولد قدر الإنسان المصاحب لمولده، المتبدي بكثرة مفرطة على طول تراثه، بدءا بمنتجاته الروحية، وانتهاء بحكاياته المعاشة هذه؛ ومن هنا جاء الاعتقاد العربي في الأصل المتعال أو المتسامي: السامي الذي لا بد وأن يجيء عليه تمثله الاجتماعي الطبقي السلطوي ... وهكذا يصبح الانسلاب النظري انسلابا عمليا بتأثيره في الممارسة ويستغل سياسيا.»

11

ومن هنا تجيء أهمية التبصر بالمنبع المبكر للتراث السومري الآسيوي الذي تواتر عبر تراثنا العربي، متمثلا في حكاياته.

فبعد الانتهاء من خلق الإنسان الكامل، تنتقل القصيدة إلى ذكر خلق أنواع ناقصة التكوين من البشر؛ لتفسر وجود مثل هذه المخلوقات الشاذة في الحياة، فتقص علينا كيف أن الإله إنكي أولم وليمة، وجمع الآلهة للاحتفاظ بخلق الإنسان (على ما يرجح)، وسكر إنكي وننماخ، ثم أخذت ننماخ شيئا من الطين الموجود في مياه العمق، وصنعت منه ستة أنواع من البشر الشاذين، عرف منهما نوعان: المرأة العقيم، والإنسان الذي لا يعرف إن كان ذكرا أو أنثى:

لقد صنعت ننماخ ال ... على هيئة امرأة لا تلد.

ووضعت ننماخ ال ... على هيئة مخلوق ليس له عضو الذكر ولا عضو الأنثى.

وهي جزئيات ما تزال تعيش بدورها في فولكلورنا العربي، وخاصة الحكايات التي ستعترضنا نصوصها في هذا المؤلف.

وفي أسطورة «الماشية والغلة» التي تشير إلى نزول آلهة «الأنوناكي» أبناء إله السماء «آن»، إلى الأرض بعد أن خلقوا في «حجرة الخلق»:

لم يعرف «الأنوناكي» أكل الخبز،

ولم يعرفوا لباس الحلل،

كانوا يأكلون النبات بأفواههم كالأغنام،

ويشربون الماء من الجداول،

في تلك الأيام و«حجرة الخلق» الخاصة بالآلهة.

وأوجه الشبه والتوحد بين التراث العبري والأسطورة السومرية المعنونة: «إنكي وننخرساج» مثل واضح على ذلك. وقد نشرت هذه الأسطورة عام 1951، ولكن محتوياتها بقيت غير واضحة إلى عام 1954، حين نشرت نشرة مفصلة عن النص. والقصيدة مؤلفة من 278 سطرا، منقوشة في لوح مؤلف من ستة أجزاء، وهو محفوظ الآن بمتحف جامعة بنسلفانيا، ويوجد نص صغير باللوفر، تعرف عليه «كييرا»، وبه يرد كيف كانت بلاد «دلمون»

الحكايات الشعبية العربية · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحكايات الشعبية العربيةص ٢٩