وافترض اللاهوت السومري - منذ أقدم ما وصلت إليه السجلات المدونة - مجموعة آلهة قوامها كائنات حية شبيهة في هيئاتها بالإنسان، لا ترى بالعين المجردة، تسير الوجود وتسيطر عليه بموجب خطط مضبوطة، فكل إله مسئول عن جزء من مسار الكون: السماء، والبحر، والهواء، والنجوم، وقوى «الجو» وعناصره: الرياح والزوابع والعواصف، ثم السدود، والزرع، والمحراث.
ومجمع الآلهة يقوم على رأسه ملك، وأهم أفراده سبعة يقدرون المصائر، ثم مجموعة مؤلفة من 150 يسمون الآلهة العظام، ثم هناك آلهة خالقة وغير خالقة.
وأساليب الخلق للآلهة الخالقة أصبح عقيدة في كل الشرق الأدنى، وهو مبدأ القوة الخالقة ل «الكلمة» الإلهية، فالإله الخالق يصمم ويخطط ويقول «الكلمة» وينطق بالاسم «اسم الشيء المراد خلقه». وهو ما لا يزال إلى أيامنا يعيش لغويا على الشفاه: «كن ... يكون.»
وفي مقدمة ملحمة «جلجاميش وأنكيدو والعالم الآخر»
6 - التي كثيرا ما تستقل عن جسد الملحمة الأم ككل وتتصل بالخلق - يبدو الآتي:
بعد أن أبعدت السماء عن الأرض،
وبعد أن فصلت الأرض عن السماء،
بعد أن عين اسم الإنسان خلق الإنسان،
وبعد أن أخذ السماء آن «الله السماء»،
وبعد أن أخذ الأرض «إنليل إله الهواء».
وعن ولادة إله القمر «سين»، فيطلب الإله «إنليل» من الإلهة العذراء «ننليل» الراعي الذي يقدر المصائر الاتصال بها، لكنها صدت عنه:
إن مهبلي صغير لا يعرف الجماع،
وشفتي صغيرتان لا تعرفان التقبيل.
ويغتصبها في مركب في النهر، فتحمل هذه الإلهة بإله القمر «سين»، وعندما فزع الآلهة وغضبوا لتلك الفعلة الشنيعة، أمسكوا به ونفوه من المدينة إلى العالم السفلي، على الرغم من أنه كان كبير الآلهة. «عمد» الآلهة العظام بمجموعتهم الخمسين،
والآلهة الذين بيدهم تقدير المصائر؛ سبعتهم،
قبضوا على إنليل «وقالوا له»: أيها الفاسق، اخرج من المدينة.
ويرضخ إنليل ويرحل إلى جحيم سومر ، ولكن ننليل وهي حبلى تتبعه إلى منفاه في العالم السفلي، ويحزن قرارها هذا إنليل؛ إذ إن ابنه «سين» الذي ستلده، والذي قدر له أن يكون موكلا بأعظم جرم سماوي وهو القمر، سيسكن العالم السفلي المظلم بدلا من السماء، إلى أن يدبر خطة يضللها بها. وفي الطريق يلتقي بثلاثة أشخاص، يرجح أن يكونوا من الآلهة الصغار، وهم: البواب الموكل بمداخل الجحيم، والموكل بنهر العالم السفلي، والموكل بالمعبر (مثيل كارون؛ ملاح المعدية عند اليونان الذي ينقل مدنا بقاربه إلى الجحيم)، ويتخذ إنليل هيئة كل من الآلهة الثلاثة بالتوالي (أي يتقمص أشكالهم)، وهذا أول مثال معروف عن التحول، كما سنشير بوضوح في باب «تحولات الأبطال الخرافيين»، أو التحولات التي تعد ملمحا مميزا للحكايات الخرافية العربية، بما لا ينفي أنه ملمح عالمي بالطبع.
فحين يتصل بالإلهة «ننليل» فتحمل منه،
قال إنليل للحارس الموكل بالباب: أيها الحارس، يا صاحب القفل،
يا صاحب «المزلاج»، يا صاحب «قفل الفضة»،
لقد جاءت مليكتك،
فإذا سألتك فلا تدلها أين أنا.
قالت ننليل لحارس الباب: يا حارس الباب، يا صاحب القفل،
يا صاحب المزلاج، يا صاحب قفل الفضة،
أين سيدك إنليل؟
أجاب إنليل متقمصا هيئة حارس الباب: إنه في استي، إنه في فمي،
إنه قلبي الصادق البعيد.
واضطجع معها إنليل في الفراش متقمصا شخصية حارس الباب، «فجامعها وقبلها»،
زرع في رحمها بذرة
7 «ميلا متايا».
كما يلاحظ أن هذه الموشحات الشعرية السومرية المنبت التي توارثها العرب الساميون، هي بذاتها ما واصلت تواترها إلى الشعر الملحمي العربي، خاصة سيرة بني هلال، حين احتالت الجازية - الإلهة القمرية لتلك القبائل العربية المتحالفة - على حراس بوابات تونس السبع
8
متنكرة، بل إن في الإجابات الساتيرية الساخرة لإنليل وتقمصاته ما يذكر بشخصية «أبو زيد الهلالي» وقدرته الفائقة على التقمص عبر السيرة؛ ففي مرة بهلول ومداح وكاهن وشاعر، بل وفي الكثير امرأة.