تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان أن قهرت المرأة وسلب سلطانها خلال توالي هذا التراث الأبوي البطرقي، الذي سود أول ما سود الرجل الذكر على المرأة الأنثى، وألحق بها وزر الخطيئة الأولى، «فمن المرأة ابتدأت الخطيئة وبسببها نموت جميعا»، ثم يعقب هذا سلسلة الأنساب المفقودة أو المفتقدة لحين مولد الجبابرة أو العماليق أو النماردة ملوك بابل والشام، فمن المعتقد أن أولئك الجبابرة البائدين أو المندثرين هم بذاتهم الذين حاربهم العرب والعبريون على السواء.

ومن المفيد التعرض بتفصيل قليل لهذا التراث.

فلقد أصبحت أفكار القسمة والنصيب - وما يستتبعهما من قدرية ودهرية ووعيدية - بمثابة الملمح الأول لتراثنا العربي، ويعني هذا أنه أصبح في مقدور أي باحث أو جامع في أي منطقة من العالم الرجوع بأي فكرة أو عبارة تعترضه عن النصيب والقدرية إلى موطنها الأصلي الأم، وهذا الموطن الأم هو التراث العربي، الذي أصبحت مثل هذه الأفكار حقيقته الأولى، والملمح الجوهري لتراثه.

بل إن أغلب تصوراتنا عن الحية والعفاريت وأم الشعور والنداهات والهواتف والرؤى؛ منحدرة عن أصول سومرية، منها سكنى العفاريت الخرائب التي كشف عنها النص السومري المعروف ب «جلجاميش وأنكيدو وشجرة الصفصافة»، ومنها أغلب الطلاسم والرقى والتعاويذ والمنفرات التي تستعمل لطرد الأوبئة، مثل: الحمى ولدغ العقارب والحيات، كما أن من هذه المنفرات ما كان الغرض منه اتقاء الحسد وشرور العين والنفس؛ أي النفس الخالق، ذلك المحيي المميت الذي وهب الإله به الإنسان فأحسن تكوينه، حين نفخ من حلقه فخرج من دبره، وهو ذاته النفس القاتل المميت، ويوصف المريض والمعلول بأنه «منفوس». كما قد يقولون: عائن وعيون، وهو ما تبدى عن السومريين في أحد النصوص التي تدور حول عشتروت وابنها الإله الممزق تموزي، الذي أردته قتيلا حين «أسلطت عليه نظرة الموت»، وهو ما تبدى في التلمود الأورشليمي في عين الإلهة الحاسدة العقيم سارة، حين سلطتها على إسماعيل «أبو العرب» العدنانيين، فكادت أن ترديه قتيلا.

بل إن أغلب مفاهيمنا الجماعية عن أبواب جهنم السبعة، وكذا السموات السبع، ومنه تعبير السماء السابعة المتواترة إلى اليوم، ثم فكرة خلق الإنسان من طين أو صلصال لازب، وارتباط المصير الإنساني بالولادة كما جاءت به أسطورة خلق الإنسان الأول.

ولعلني في هذه الإلمامة حول المنابع والأصول الأولى لتراثنا العربي السامي، سأحاول التوقف عند السمات المميزة التي تسهم في تحديد أكبر قدر من التميز لهذا التراث السامي، مثل: أسطورة الخلق، وخلق حواء من الضلع السادس للرجل؛ نظرا لصداها داخل رقعة الفولكلور العربي، وأخصه الحكايات الخرافية المنقصة في كل حالاتها للمرأة.

4

فالإرث السومري هو بذاته الذي توارثه الساميون خاصة، ويتضمن أول آراء للإنسان في أصل الكون وفلسفة الكائنات ومعظم ما سيصادفنا في دراستنا هذه عن الحكايات العربية المنشورة.

لذا فلا بأس من تقديم إلمامة موجزة عن ذلك التراث، بما ييسر ما قد يعترضنا عبر هذه الدراسة عن الحكايات العربية.

فأهم العناصر والأجزاء التي كانت تؤلف الكون في رأي المعلمين والحكماء السومريين هي «السماء والأرض»، ومصطلحه هو «آن-كي»، وهي كلمة مركبة تعني «السماء والأرض»، فكانت الأرض على هيئة «قوس» منبسط، والسماء فراغ مغطى من أعلى ومن أسفل بسطح صلب، وميزوا عنصرا ثالثا بين السماء والأرض دعوه «ليل» أي الهواء (الهواء كالنفس، الروح)، ويحيط بالكون السماء والأرض، البحر اللامتناهي، ثم استنتجوا ما يمكن تسميته ب «البحر الأول»؛ أي إنه لم يكن هناك وجود قبل البحر.

5

ويتخلل «الجو» السماء والأرض، وتولد من الجو الأجرام النيرة: القمر، الشمس، الكواكب والنجوم، وأعقب انفصال السماء عن الأرض وخلق الأجرام النيرة أن جاءت إلى الوجود الحياة النباتية والحيوانية والبشرية.

الحكايات الشعبية العربية · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحكايات الشعبية العربيةص ٢٧