فبانياس كان أول من جمع أسطورة الإله الزراعي الممزق أدونيس، الذي هو أحد أوجه أو تنويعات أوزوريس في مصر، وتوفي في وادي الرافدين، وديونسيوس عند الهلينيين، وديونسيوس زاجريوس في كريت، ومسبوتاميا أو آسيا الصغرى بعامة.
فلقد كان الشاعر السوري بانياس هذا أول من جمع أسطورة أدونيس وأعاد نظمها شعرا، الذي قد يصل بنا جمع مأثوراته المحلية اليوم، وأستطيع أن أجزم بأنها ما تزال تعيش على الشفاه في مدينته السورية التي زرتها متسرعا بدعوة رقيقة من صديقي المفكر القصاص أحمد إسكندر - وزير الإعلام السوري - عام 1976، بصحبة زوجتي الباحثة الاجتماعية فريدة إلهامي، بالقرب من اللاذقية ومكتشفاتها الحفرية في رأس الشمرا أو أوغاريت التي ترجع إلى القرن الرابع عشر ق.م، وأدت عشرات الألوف من نصوصها الأسطورية والفولكلورية - المكتشفة عام 1929 - إلى إلقاء ضوء قوي على جذور التراث السامي العربي والعبري ومنابعه المبكرة، خاصة الجانب الأعظم من التراث العبري، وبخاصة أكثر التلمود الأورشليمي الفلسطيني.
وخلاصة القول أن في تركيزنا على تنشيط استكمال جمع الخرافات المحلية لا لأقطارنا العربية فحسب، بل لمدنها ومعالمها البيئية والمحلية.
من ذلك ما تزدحم به الأقاليم والبيئات السودانية والنوبية والمصرية والفلسطينية والليبية واللبنانية، سواء في تراث المدن الفينيقية الدول: صور وصيدا وجبيل وبعلبك، أو بيبلوس الإغريقية وتراثها العريق.
وبالنسبة للعراق فما تزال آثار وتجمعات وموروثات بقايا أهم وأعرق ملاحم العالم القديم: جلجاميش، أو قلقاميش كما يسميها العرب، في مديريته التي ما تزال تحمل اسمه جلجاميش إلى اليوم، وكذا بقايا موروثات الكلدانيين والبابليين والآشوريين والفينيقيين والقرطاجنيين والحورانيين.
فالمفجع والملفت أنه حتى أيامنا هذه ما تزال تعيش بقايا الحضارات والكيانات السامية بروافدها المختلفة، مثل الكلدانيين - الألف الثاني ق.م - المعروفين اليوم بالحرانيين - بحران بالعراق - وقصصهم عن كيف التقى بهم الخليفة العباسي المستنير المأمون، وكان في طريقه إلى الحرب وسألهم: هل أنتم أهل كتاب؟ ثم خيرهم بين الدخول في دين أو قتلهم وسافر ومات.
ومن معتقداتهم أنهم يجلسون في الزيت (يقال: فلان في الزيت)، ويزعمون أن طبيعة الإنسان أليق وأشبه بطبيعة عطارد عن سائر الحيوان،
10
وأقرب إليه بالنطق والتمييز.
وكانوا عقب الموت ينزعون الرأس بعد ذلك عن الجسد.
ولهم كتاب يسمى بالكتاب الحاتفي، وكانوا أول من سمى أيام الأسبوع باسم الكواكب السبعة السيارة، وهي التسمية السارية إلى أيامنا.
ويقولون بأن يوم الأحد للشمس واسمها إيليوس، يوم الإثنين للقمر واسمه سين، يوم الثلاثاء للمريخ واسمه آريس، يوم الأربعاء لعطارد واسمه نابق، يوم الخميس للمشتري واسمه بال، يوم الجمعة للات واسمها بلثى، يوم السبت لزحل واسمه قرنس (كرونس).
ويصلون ثلاث مرات في اليوم «ولا صلاة عندهم إلا على طهور»، ويصومون 30 يوما يعقبه عيد الفطر، ويذبحون للكواكب، ومن مس المرأة الطامث يتنجس، وحرموا لحم الخنزير والكلب والحمار، ومن الطير غير الحمام، ويفرطون في كراهية الجمل، ولا طلاق إلا بحجة بينة عن فاحشة ظاهرة، ولا يرجع المطلقة، ولا يجمع بين امرأتين، ولا يطأهن إلا لطلب الولد.
وعندهم أن الثواب والعقاب إنما يلحق الأرواح.
والنبي عندهم هو البريء من الذمومات، وينزل الغيث ويدفع الآفات عن النبات والحيوان.
وقولهم في الهيولى والعنصر والصورة والعدم والزمان والمكان والحركة كما قال أرسطاطاليس، وقولهم في السماء: أنها طبيعة خامسة ليست مركبة من العناصر الأربعة لا تضمحل، وقولهم في النفس: أنها دراكة لا تبيد وأنها جوهر وليست بجسم (كما في كتاب النفس).