دا أنا مش طايقة هدومي من يومها.
نعيمة (تعاجلها) :
مهما تقلعي هدومك وتحرقيها، ترميها في النار الآيدة، برضه حاتفضلي تاكلي في نفسك في العتمة اللي جوه، اللي ماليه البيت. (تعدد)
في كل حته ... الحواصل والبيبان، والحيطان وعفش الرز، والصناديق القديمة والهدوم، كل اللي بنحط عليه إيدنا ورجيلنا، كل اللي بتشوفو عنينا. (تستدير)
وكل واحد بيشوف نفسه (بثقة)
وأنا كنت عارفة كده، هو دا اللي كنت بشوفو (تهدأ)
وعشان كده معيطش (تتساءل)
وعيط ليه؟
الكورس :
فيه ناس بتعيط، بتعيط وما بنسمعهاش.
الأب (وكما لو كان يغيظها) :
لكن اللي حصل وصلك. (يضحك ويحدث ضوضاء شديدة)
أنت غرقانة زينا. (موسيقى خلفية، تأثير أمطار ورذاذ ماء)
رجلك حصلت الميه اللي ما فيش منها طلوع، البحر اللي وقعنا فيه احنا التلاتة، الطوفان اللي ملوش أول من آخر. (تبرق عيناه)
ومفيش منه مهرب، منفذ قد عقب الباب نفلت منه (حالما)
ونطلع للهوا الطاير، هوا الليل الحلو (للأم)
فاكراه؟ اللي كنا بنشمه زمان أنا وانتي. (مشيرا إلى نعيمة)
قبل ما تتولد، زمان، قبل ما نغرق، قبل حكاية المغنواتي (يعلو صوته)
قبل ما يحصلنا الطوفان يا هاجر (ينسحب إلى الخلف مغمغما)
اللي حصل من سنين وسنين.
نعيمة :
في كل حته يشوف نفسه، في كل حتة.
الأم (تصيح، تروح تحاصر نعيمة وتسألها) :
قوليلي يا نعيمة؟ ليه كنتي كده في وقفتك فوق ع السلالم، وإيدك على خشب الدربزين، ومفيش دمعة واحدة في عنيك لتنبن (تؤكد)
دمعة واحدة!
الكورس :
فيه ناس بتعيط، بتعيط وملهاش دموع.
نعيمة (تواجهها) :
وأعيط ليه طول ما أنا بشوف نفسي؟
الأب :
انتي كنتي معانا، وكنتي بتحبيه زي خرز عنيك، وشفتي بعنيكي اللي حصل تحت رجليك (يطرق كفا بكف) .
الكورس :
كانت موجودة، احنا شفناها بعنينا اللي حايكلها الدود. (صمت)
نعيمة :
أيوة، أنا كنت موجودة، واللي بيحصل قدام عنيه (تتجه إلى السلالم مع حركة الإضاءة، تصعد سريعا إلى منتصفها، تجمد في وقفتها، نفس الوقفة القديمة)
أنا كنت موجودة.
الأم (تصعد إليها، وتروح تعدل من وقفتها، تنزل سلمة، وتتأملها قليلا، تذعر، تتراجع) :
لأ لأ مش هيه دي عنيك، مش هيه (تشير نازلة السلالم)
فاكراها.
الأب (يتراجع ناحية الباب) :
أنا كنت بعيد، قرب الباب (يتأمل ذيل قفطانه)
ومفيش حاجة حصلتني.
الأم (تبحث ملابسها) :
أنا اللي غرقت.
الكورس :
كلهم غرقانين، سكان البيت ده.
نعيمة :
أنا كنت هنا ... فوق، وشيفاكم.
الأم (باتهام) :
كنتي موجودة بتتفرجي، وعنيكي ناشفة، بتجهزيه، الشر اللي بياكل فيك، سوس بينغل في كل حتة، في عنيك ورموشك وسقف حنكك الناشف.
نعيمة (يغالبها الضحك وهي في وقفتها تلك على السلالم) :
هاه، جاهزين؟! (بتحد)
نعيد اللي حصل في وش بعض؟ كل واحد منا احنا التلاتة يعمل قاضي على نفسه، وما فيش قاضي من بره ... جاهزين؟
الكورس :
طواحين، طواحين، طواحين، كل طلعة شمس، كل غمضة عين.
الأم (وهي منكمشة في مكانها، تتطلع إليها باسترحام) :
بلاش يا نعيمة، بلاش؛ دا احنا مش قادرين (تبحث عن شيء إلى أن تعثر على فرخ البط المقيد)
دا أنا نسيت اللي ورايا (تستعطفها)
واحنا لازم نعيش زي الناس اللي عايشة، دا احنا صدينا زي النحاس القديم، ما عدناش نشوف الدنيا، النسيم الحلو، اللي يشرح القلب، قلب العليل، يشفيه. (يتولاها الفرح)
دي الناس بره، بره البيت ده، بيسهروا قدام البيت والدكاكين لوش، ... والبنات بترقص وتغني وتتجوز في الستر، والحواري بتكبر وتشغي عيال (للأب)
كل دا نسيناه، ماعدناش فاكرينو بقالنا عمر. (لنعيمة)
لا عدنا بنشوف الناس ... ولا الناس عايزة ... تشوفنا ... من بعد اللي حصل.
الكورس :
احنا شايفين ... عنينا مفتوحة ع اللي بيحصل ... القاتل والمقتول.
نعيمة (في مكانها) :
احنا بنشوف الناس ... والناس بتشوفنا (تتجه ناحية الأم)