هب من فوره معتدلا مرحبا، معاودا الانضمام إلى الباقين الذين تعالت أصواتهم بما يتلاءم والقصف القريب الضاري، ودارت القهوة واللفائف وجرعات العرق اللبناني الساخن، فلا كهرباء ولا ثلاجات.
اختلطت أصوات الفتيات وتعبيراتهن الساخطة الماجنة الهلعة مع أصوات راديو لالتقاط الأخبار، وتعرف موقع القدم، التنفيس فيما يحدث من أخطار محيطة مطبقة.
جرت إحدى الفتيات إلى الشرفة مشيرة إلى حيث الإنزال، واشتداد حركة مقاتلي القوات المشتركة في تشبثهم بأماكنهم أعلى البنايات المواجهة يسارا، وخلف متاريس الشوارع، لا يثنيهم عن موقعهم تقدم صفوف الدبابات المشرفة على التلال المحيطة بالمدينة المحاصرة.
وبدا القلق أكثر مرتسما على وجه شادية.
تواصل القتال على مرأى منهم، وتداخل الجميع بعضهم في بعض، وارتفع ذعر السكان أكثر من فقراء ومطاردي الشعبين اللبناني والفلسطيني في الأدوار السفلى، للحظة أقرب إلى الومضة، تبدى الأمر له كمثل كابوس جاثم مخيم، ولا مهرب.
ركض مرات إلى الطرقة الخارجية، وتداخل في المهجرين المتلاصقين في بعضهم البعض كجسد واحد، دم واحد يسري متدفقا في الشرايين، حتى لم يعد يعرف اللبناني من الفلسطيني. - أما من مفر؟
قاربته الفتاة بيدها شمعة، وحين عاد إلى داخل المسكن أسلم نفسه للعريض والفتيات متداخلا مفترشا بلاط الشقة وبضع مخدات قطنية، تاركا قياده لمهرب - العريض - بالنسيان والتناسي ضاحكا مع الباقين.
بينما الدوي والحصار يزحف أكثر مطبقا على الجميع، حين غفا المهاجر نائما، وعلا غطيطه .
| الفصل الثاني والعشرون
في ضحى اليوم التالي - على غير موعد - ودون جهد منه للبحث عنها.
التقيا هكذا داخل إحدى غرف عمليات مستشفى شاتيلا الذي لا يبعد عن بيت مضيفه محمود العريض أكثر من حارتين جانبيتين وثلاثة شوارع.
ذلك أن العريض أيقظه من نومه وغفوته التي ألمت به فجأة، معلنا في أذنه بأعلى صوته الجهوري مدويا: قوم قوم، البنت شادية استشهدت. - شادية.
اندفع من فوره جالسا ممسكا برأسه بين كفتيه من أثر الصداع ورطوبة البلاط، محاولا استرجاع الاسم وملامح تلك الفتاة الفلسطينية في زيها العسكري ومرحها العذب، وذلك الحنان الجارف الذي أحاطته به منذ أن التقيا أمس، حتى إنه نسي المعارك وأوجاعه واستسلم لنوم عميق أفاق منه على استشهادها. - كيف؟
لم يمهله العريض، بل اندفع من فوره يحضر القهوة حاكيا بصوته العالى وإيقاعاته المتلاحقة دون أثر لتندم، كيف أنها صممت وركبت رأسها على أن تلحق بصديقها الشاب اللبناني الذي لم تكن تكف عن الحديث عنه منذ التقيا، والذي يرابط مع زملائه مقاتلا على أحد محاور المخيم، دفاعا عنه.
غمغم المهاجر متذكرا: بسام، بسام.
وفعلا سحبت سلاحها وظلت تعدو إلى أن لحقت به، ولم يطل الأمر بهما، حتى جاءنا خبر الاثنين، إصابتهما معا، ونقلهما إلى المستشفى القريب، جحيم.
وحين ذكر العريض تأهبه لزيارتها، والاستعداد للجنائز والدفن، لم يجد المهاجر منفذا من أصحابه، برغم أن المضيف حاول ثنيه وإبقائه في المسكن ومواصلة النوم، حين أحس تهالكه ولونه الشاحب.
مسح وجهه بمنشفة مبللة، وعدل من هيئته أمام مرآة متربة، واندفع في أثره، إلى أن أشرفا على الميدان حيث تقع المستشفى التي تصدرتها وملأت أروقتها عائلات الجرحى والمصابين والشهداء.
وما إن دلف بنصف جسده داخل غرفة العمليات، وعيناه على جثمان شادية المسجاة، حين قاربها العريض وهو في أثره، حتى وجدها في أحضانه مقبلة.
في البداية لم يتعرفها تحت قناعها في زيها الأبيض، إلى أن قفزت عالية محتضنة متعلقة بعنقه مقبلة بلا صوت، وتشمم روائحها العذرية. - معقول؟!
ودون أن يعي ما يحدث وهو يتأمل فتاته الجنوبية في صمتها المتفهم المفصح عن الكثير، وردائها الأبيض، اندفع نحوه العريض عائدا من فوره، مقاربا معلنا انقضاء أجل الفتاة: ماتت. - شادية!