تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انسحبوا ثلاثتهم خارجين من عنبر العمليات المشابه لجراج، ويدها الدقيقة تعمل في يده، قدمها إلى العريض الذي ابتسم: شيء مفرح في هذا الغم أن يلمع شيء، تلتقيا.

عرف منها بأسها بحثا عنه، إلى أن تقدمت متطوعة للعمل بهذا المستشفى مع صديقة أخرى درزية تقيم هنا، تدعى ليلى، سبق له أن شاهدها معها مرارا.

وأخبرها بدوره مسرعا منفعلا متوعكا ما مر به وألم من ظروف منذ تهدم البناية، وسد مدخلها، وهج سكانها عنها ذعرا وافتراقهما.

قاطعته: أعرف، ومررت عليها ثلاث مرات آخرها أول أمس.

ابتسمت: وبالطبع لم أسأل عنك.

تساءل: كما هي؟

ضحكت: أكثر سوءا، فالشارع بكامله أصبح شبه مهجور، وأصحابها رحلوا إلى الجبل والشمال.

قاربه العريض وهو يلكزه منبها لمشهد الفتاة الفلسطينية شادية وحبيبها اللبناني، جسديهما المسجيين على نقالتين، وقد أحاط أهاليهما رأسيهما بالورود والزهور والصبار، وأحاطوا بالعجلتين حاملين سلاحهما المشهر.

تقدم العريض من رأس الفتاة مصلحا، مختلسا نظرة أسية أخيرة من تحت خباء وجهها السمح الطفولي المبتسم دوما.

وعاد كالمذعور فشدد عزاءه للأم الهرمة الثكلى وفتاتي الأمس، اللتين قاربتا المهاجر مسلمتين في حزنهما، فقدمهما لصديقته التي رمقتهما بنظرة فاحصة يعرفها عنها سائلة: من البنتان؟

حكى لها مكملا ما ألم به عقب افتقاده لها ولبيته وكتبه ومخطوطاته، لحين التقائه بالعريض والإقامة عنده، ثم كيف التقى بفتيات العمارة الثلاث عنده بمسكنه لحين استشهاد إحداهن.

بدا أنها تفهمت الموقف، خالعة عنها معطف المستشفى، دافعة برأسها وخصلات شعرها الذهبية إلى الوراء كمثل جواد عربي فتي. - شوب.

ومن فورها رافقت الموكب المستعد لرحلة الدفن في حديقة شاتيلا، التي أصبحت حديقة الشهداء.

كانت الهدنة المزعومة قد استقرت عقب اتصالات ما بين عواصم الشرق الأوسط والأمريكتين وغرب أوروبا.

الشوارع بدت قليلا مزهوة بأناسها الشاحبين المكدودين من أثر ثقل عدوان الأمس، الذي امتد طيلة النهار، وحلول المساء بطوله، حتى مطلع هذا اليوم التالي، وغارات الطائرات القاذفة بكل أنواع الدمار وحممه، مضافا إليها البوارج والزوارق البحرية، ناهيك عن الدبابات والمدرعات، وقنابل الإضاءة، وكل أنواع المدفعية لم يتوقف لها عدوان.

بدا ما تبقى من نساء بيروت ورجالها وهم يروحون ويعدون من أمام عتبات بيوتهم، أو أمام المخابز والأفران، متحلقين في طوابير مستكينة للحصول على الخبز والماء وعربات الخضراوات والفاكهة «البايتة»، والبحث عن شموع الإضاءة والكيروسين والدواء، وهم يتبادلون النظرات والتهاني بالتواجد - حتى الآن - داخل أجسادهم.

وحين تراصوا متقابلين داخل عربة نقل الموتى السوداء، جاءت الأم والفتيات بفستان العروس المحترقة شادية الأبيض، ونصبوه قائما في موقع الرأس من تابوتها.

تلمست بيدها الدقيقة يده في رقه سرت عبر عظامه والسيارة تمرق بهما الطرقات المفرغة من الناس.

قال العريض: أعمار.

سالت دموع الفتاتين من رفيقات الشهيدة في صمت، شمل أيضا إيماءات الأم الفلسطينية السمراء التي راحت تلطم مقبلة أطراف كفن الابنة: ظلم ظلم.

تسندت الأم في محاولة منها للوقوف على قدميها والاقتراب من جثمان الابنة المسجى، في ذات اللحظة التي حاول فيها العريض معاودة إجلاسها على مقعدها، دون تراجع منها، انتهى بالعريض إلى أن تعنف حركته أكثر، ذاكرا مرة بأن الأمر لا يعدو: أعمار.

وأخرى بأن الشهيد أبدا لا يموت، ولا داعي لمزيد من الإزعاج.

هنا تبادل جميع المتواجدين داخل سيارة نقل الموتى النظرات المتسائلة.

إلا أن إصرار العريض على عدم السماح للأم بالاقتراب من الجثة، أهاج عواطفها أكثر فأكثر. - بنتى ... حبيبتي ... أبوسها.

هنا لكز العريض المهاجر كمن يطلب عونه، دافعا بجسد الأم إلى الوراء.

بيروت البكاء ليلًا · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيروت البكاء ليلًاص ٣٦