تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإسرائيليون يزحفون أكثر هذه الليلة، المخيم مطوق من محاوره الثلاثة، الخلاص.

تطلع الجميع إلى السماء، حيث تفجرت إضاءات القنابل الفوسفورية التي بدأت تسطع صفراء فاقعة مقتربة، فاضحة كل معالم المخيم، وهي تقترب أكثر ليتضاعف وهجها، محيلة ليل المكان الدامس إلى نهار جلي التفاصيل؛ مما أتاح للمهاجر إعادة تأمل المكان وأناسه ونسائه اللائي رحن يغطين وجوههن بكفوفهن متواريات في استسلام، بينما أحاطت الأمهات بأطفالهن في انتظار ما يحدث ويعقب عادة مثل هذه القنابل الضوئية المشابهة لشموس بطيئة الحركة تسقط من عليائها فوق الرءوس، مضيئة محاور المكان هدف العملية، محددة أماكن الثوار والمقاتلين وأسلحتهم.

وحاول العريض - دون جدوى تذكر - تهدئة الجميع، بإعلان خبر الهدنة الذي سمعه في المقهى، مستشهدا بالمهاجر وقبول المقاتلين الفلسطينيين قهرا؛ حفاظا على حياة النساء والأطفال ... الخروج.

عم صمت طويل حشد المهجرين والسكان فمعظمهم فلسطينيون.

اندفع يصعد بضيفه حيث يقيم، مستعينا ببقايا شمعة لتجنب أجساد المهجرين الذين زحموا السلالم ومداخل الطوابق الأربعة، إلى أن وصلا المسكن المكون من غرفتين فسيحتين يغلب عليهما الإهمال وضيق ذات اليد.

انحط المهاجر من فوره على فراش غير مرتب، خالعا عنه حذاءه وسرواله: إيه ... هدنة.

وحين أغمض عينيه قليلا مستسلما للقذائف المتبادلة التي كانت تمرق مدوية من فوق رأسه، تساءل: لو أنها ماتت ودفنوها لقضي الأمر.

كانت قد عودته على أن تجيئه، وبين أحضانه وذراعيه العظميتين تدفن مخاوفها وتوترها، بإزاء الاشتباكات الملتهبة دوما على طول هذه المدينة: أين؟

مضى المضيف من فوره، يدفن ويداوي توتره ... هلعه في الإكثار من جرعات الكوكايين واللفائف مغيرا ملابسه، قافزا ما بين زوايا الشرفة الرحبة المطلة على الميدان، وبين غرفة نومه، متحدثا بصوت مرتفع دون أن يسمعه المهاجر، قال بأن الوضع يزداد سوءا، وينذر بمؤامرة أكثر من الهدنة والتقاط الأنفاس.

وذكر أن هذا هو حالهم على الدوام منذ الأزل الطعنات من الظهر، وليتها طعنات! إنها مئات «الهيروشيمات» التي أصبحت مدوية تحت سمع العالم المتآمر بدوره وبصره.

وبدا معتذرا لضيفه المهاجر، بأنه ضاعف من أخطاره هذه الليلة، وإن كان لم يعد يجد مهربا منقذا من هذا البلاء الباطش على طول المدينة وعرضها، إن لم يكن لبنان بكامله، بل والشرق الأوسط.

وأكثر المهاجر من موافقته: صح صح، تمام تمام.

وكان ساعتها غائبا بكامله عما يحدث.

يسترجع لحظة تذوق دم صدرها النازف، والهلع الآسن في عينيها المعبرتين، وذكر محمود العريض، عبر حركته الدءوبة وتوقده بالجرعات كثيرا: الخروج. - ونحن؟

عاد ففتح باب الشقة على مصراعيه، قبل أن تطرقه ثلاث فتيات فلسطينيات يطلبن تسوية قهوة على بوتاجازه، ومن فوره اختفى معهن داخل المطبخ الضيق.

احتدم نقاشهن الذي لم يكن يخلو من ضحكات صافية: خروج.

وتصورها لحظة طرد جماعية، وود لو أنه واصل بحثه ولم يكل.

جاءته إحدى الفتيات خلسة بهدف الاطمئنان والتسرية عنه، تزحف على أربع على بلاطات الغرفة، بيدها لفافتها المشعلة - الملفوفة - لتقدمها إليه جاثية على أربع: الأخت الصغرى.

تعارفا حين قدمت له نفسها في بدلتها الجينز الأقرب إلى زي المحاربين، أميل إلى القصر والامتلاء، واسمها شادية، مخطوبة لشاب لبناني يدعى: بسام.

وبدت قليلا مؤرقة وهي تقاربه ضاحكة لا يروقها الموقف بكامله، خاصة على هذا المحور، وأشارت له إلى الجهة المقابلة من الشرفة دون إدراك منه لشيء سوى تفهمه لمخاوفها الدفينة على صديقها المقاتل على ذلك المحور، وحيث أشارت «بسام».

ذكرته كثيرا بصديقته من حيث حساسيتها وفروسيتها الدافقة، حتى ومحاولتها لتقريب حذائه من تحت السرير.

بيروت البكاء ليلًا · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيروت البكاء ليلًاص ٣٤