تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصبح المكان الغاص بالرجال أكثر شاعرية، بل لقد انفتحت أكثر من شرفة، وبالكون أطلت منها نساء متحررات من معظم ملابسهن.

يبدو أنه لم يكن يلحظهن منذ أن دلف إلى هنا لاهثا متشويا: ياه.

أخرج من فوره مائة ليرة متحسسا، ودسها خلسة في جيب محدثه، الذي رفض في البداية مصرا على رد المبلغ، إلا أنه أصر بدوره وعيناه على فتيات الشرفات أعلى بدلا من الطائرات.

وحين رضخ الرجل اللبناني القصير إلى القبول، قدم إليه من جديد جرعة ضعف سابقتها، وأكثر من سيجارة، وتجددت القهوة السادة، وصفا الجو.

ويبدو أن أخبار الراديو بدورها جاءت بالجديد المشجع: هدنة.

ذلك أن التصفيق جاء مدويا من داخل المقهى وبقية المقاهي المواجهة، وعربة بائع السجق الساخن وزبائنه، وتعالت الضحكات والتعليقات: إفراج. - نشم فقط نفسنا. - إلهي يهد حيلهم. - عصابات. - ريجن وبيجن. - بيجن وبيجن. - بيجن وشريكه.

أحس بالجوع المفاجئ عقب الجرعة الثانية، فهب من فوره مادا الخطى إلى بائع السجق، وعاد محملا بستة ساندوتشات وسلاطات، اقتسمها مع الرجل وجرسون المقهى، ورجل آخر عجوز يرتدي شورتا ملونا كان قد أوقع به حين انبطاحه.

علت ضحكات نساء الشرفات، وعرف فيهن فتاة سمراء رقيقة التقاطيع مصرية.

وعرف من صديقه اللبناني أن اسمه محمود العريض، وأنه تقلب في عدة مهن، منها خباز، وبائع عرقسوس، وسمسار، وصاحب محل فليبرز.

مختتما خبراته ومهنه بأنه صحفي.

قال: صحفي، أمال.

أما هو ففاض وزاد معه في الحديث عن فتاته الصورية المصابة التي أضاعتها الحرب وأعياه البحث عنها: لم أترك مستشفى واحد في بيروت، شارعا، ساحة تحت القصف، ولم أعثر لها على أثر.

غمغم محمود: العدوان، الحرب، أولاد الرمم «خاربين البيوت». أين نذهب ونفلت من ظلمهم؟ لا مهرب سوى النسيان.

وعاد يعزم بجرعة جديدة، فشكره المهاجر ممتنا، معتذرا بأنه لم يسبق له.

وما إن تطلع العريض إلى ساعته متحينا لحظة انسحابه حتى طالبه المهاجر بإيصاله إلى أقرب فندق. هنا أشار العريض من فوره إلى سيارته «البويك» المستهلكة، البلا طلاء، وكانت مركونة في أقصى الطرف المقابل للميدان، حتى إذا ما استقلاها وبذل العريض جهودا مضنية في تسخينها وإدارة محركها، اقترح عليه من فوره الإقامة معه بمسكنه الذي يقيم به وحده، بعد أن رحل أسرته وأبعدها عن الحرب والأخطار، زوجته وبناته الثلاث وأمه المقعدة وعمتين دفعة واحدة منذ الشهر الأول للحرب إلى دمشق.

فنحن الرجال نحتمل، أما النساء الحرمات، فعبء ما بعده عبء في هذه الأيام السوداء التي لن تنتهي.

وحين وصل محرك السيارة إلى درجة التنقل بتكاسل عبر الظلام الكثيف ثم الأسرع، أخبره بأن منزله يقع في منطقة أكثر خطورة من الحمراء، وحيث كان المهاجر يقيم ضحك وهو يتطلع إلى الطرقات الخاوية مهونا: لكن لا يهم؛ فأنا أعرف كيفية التسلل ليلا، ومثلنا مثل الناس في شاتيلا.

غمغم المهاجر مأخوذا: شاتيلا.

| الفصل الحادي والعشرون

تواصل القذف بعنف لدرجة أن العريض أطفأ فانوس سيارته «الخردة»، فمضت السيارة مندفعة تزحف عبر أكداس الظلام المخيم، إلى أن أشرفا على أحد جوانب حديقة الميدان التي أحرق العدوان شجرها، والتي أحالها الفلسطينيون إلى مجمع لمقابر شهدائهم، بل حتى الحديقة المقبرة لم تسلم بدورها من القصف والدمار، في محاولة الفاشست المعتدين لإعادة تدمير الموتى وحرق عظامهم داخل أكفانهم.

تسللا خارجين من السيارة، وحين حاول المهاجر غلق بابها امتدت يد العريض فمنعته وهو يجذبه من يده متسللا عبر أوحال الشارع ومطباته، ثم استدار به جاذبا إلى حيث فتحة خاصة بالنفايات، انفلتا منها إلى داخل المخيم الغارق لرأسه في الظلام والصمت، وروائح البارود، والتي يخالطها العطن.

وبحذاء الجدران واصلا تسللهما عبر عدة حارات متعرجة قذرة، قادتهما في نهاية المطاف إلى البيت المكون من أربعة طوابق، وما إن دلفا داخلين وأشعل العريض قداحته، حتى أحاطت به ثلة من النساء والصبيان المهجرين تكوموا هنا وهناك، فزحموا المدخل والممر المؤدي إلى السلم الحجري القذر، واندفعوا سائلين عما يحدث.

بيروت البكاء ليلًا · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيروت البكاء ليلًاص ٣٣