تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عصرا يعصر عرق الجبين.

رأى نفسه مجهدا إلى حد مغالبة السقوط أرضا تحت الأقدام الفزعة المروعة.

كان الموكب ساعتها يعبر جاريا من فوق كوبري علوي يفضي إلى ساحة الشهداء التي يعرفها.

تسند بالدربزين الحديدي للكوبري في إعياء واضح، ومضى يتلوى بجذعه النحيل فارع الطول، مجاهدا في السيطرة على تنفسه ... نبضه.

وقبل أن يأخذ راحته الكافية، راح يعدو في بطء فاكا عنه رباط عنقه ملقيا به، حتى إذا ما انتهى به المقام وحيدا تعبا بعد أن انفض عنه الموكب، اتجه من فوره عابرا الميدان الموحش الفارغ إلى شق لا يبين في الجدار المواجه، ودلف منه صاعدا بضع سلمات حجرية متربة تسدها القاذورات والنفايات، إلا أنه تخطاها ليجد نفسه مشرفا على ميدان صغير مسور من جميع جهاته، ببعضه مقاه وبارات شعبية فقيرة، وفي مداخلها تراصت مقاعد قصيرة من القش، وتمدد السكارى والشمامون متحلقين في ظل الجدران ورطوبة السقف.

انحط من فوره على واحد من تلك المقاهي، وظل يلهث ويمسح عرقه الغزير، ويتطلع إلى السماء الملتهبة بالنيران والقذائف.

أعاد تأمل الوجوه من حوله، فوجدها ولدهشته غائبة عن عالمها.

إما منكسة تتطلع إلى الأرض تحت أقدامها، أو مسبلة العيون لا تهزها شاردة أو دوي، ما الخبر؟ لماذا الناس هنا على هذا النحو من السكينة وروقان البال، وكأن الأمر لا يعنيهم في كثير أو قليل؟

فحتى أجهزة البث التي ترسل بأخبارها ومارشاتها الدافعة للحماس يبدو وكأنها لا تلامس آذانهم، تساءل: تراهم مستسلمين أم شامتين؟! سمع أحدهم يطرق كفا بكف وهو يقعي إلى بعيد على صندوق ورنيشه بدلا من كرسي المقهى: قلناها كثير.

كمل له آخر ضاحكا، وقد بدا نصف أسنانه الفضية: ما بتفرق معاهم.

تساءل: من؟ - تجار هذا البلد ... أصحاب البنوك والودائع.

وسرعان ما حل الصمت الذي لم يكن يقطعه سوى دوي القذائف، وأخبار الراديو المزدحم وأصوات أحجار النرد داخل المقهى.

حلقت طائرتان معاديتان من فوق المكان من حول محيطه؛ حتى تيقن من أنهما لا محالة ستفرغان حمولتهما من نابالم وقنابل عنقودية فوق رأسه بالتحديد، ودون تفكير ثبت بصره عليهما طويلا، تاركا العنان لجذعه الأعلى بكامله راجعا إلى الوراء إلى حد ملامسة الجدار والانبطاح أرضا دفعة واحدة، حتى إنه سقط على آخرين من خلفه موقعا بعض الكراسي والمشروبات، وظل هكذا مضطجعا فترة إلى أن جاء الدوي والانفجار إلى بعيد.

عندئذ تسند جالسا من جديد ثم هب بقامته المديدة، ملقيا نظرة خجلى على الموجودين، معتذرا مطبطبا على كتف من أوقع بهما: اعذرونى يا إخوتى، آسف جدا.

ولدهشته الكبرى أن الأمر بدا عاديا، فلم يلق له أحد بالا، وكما لو أن عينا لم تلحظه. - ما الخبر؟

انحط جالسا على كرسيه منزويا، رأسه بين ساعديه ضاغطا، إلى أن قاربه أحدهم بأسبرين وكوب ماء، فشكره المهاجر ممتنا، مستعيدا من جديد ثباته، ماسحا زجاج منظاره حين عاجله الرجل: انس. - كيف؟ - مثلما نفعل جميعا.

أشار بأصابعه الخمس المرصعة بالخواتم: الجميع.

وحين تفهم الموقف ابتسم في ود إلى محدثه مقاربا، حتى إذا ما جاءت القهوة كان قد اتصل بينهما الود، مما حدا بالرجل - وكان قصيرا ممتلئ الحركة - لأن يضع يده في جيبه مخرجا، في قليل من الحذر، علبة نشوقه، مقدما له جرعة تشممها بمنخاريه عاطسا في البداية.

كان الغروب القاني قد بدأ يزحف.

ولعلها المرة الوحيدة، منذ العدوان المروع والحصار، التي ينسى فيها فتاته الجنوبية الضالة، متذكرا من فوره العالية وأختها.

جاءته من فوره العالية الأخت الصغرى تزحف على أربع عبر الميدان المسور بمقاهي الشمامين والزعران، تبحث عن ماذا ... فردوسهما المفقود الذي كان.

أحس من فوره براحة تسري في أعصابه، بدءا من قدميه العطنتين داخل حذائه، مرورا بساقيه وركبتيه ورأسه.

بيروت البكاء ليلًا · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيروت البكاء ليلًاص ٣٢