تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كل هذا سيذهب ويروح مثل سابقه.

ارتفع مزاحه وقهقهاته طويلا: نحن لسنا بعيدي النظر مثلهم، فلا يجب أبدا أن نعد بيوتا ومآوي وذكريات وأشياء من كتب وملابس ولوحات، بل حتى الحب.

استدار راقصا هازلا: ما الفائدة طالما أننا في كل مرة وطرد نتركها متخلين؟

مضى يجري عبر مسالك الحديقة الضيقة: اللي في سكتي ... يحلالي.

اندفع يجري ويقذف بلوحاته وأوراقه واسكتشاته، وجرادل نفطه وألوانه، عبر صالة البيت الضيقة هازلا: ما الفائدة؟

اقتربت أصوات الدوي والمعارك، محاصرة أكثر حتى لم يعودا يسمعان بعضهما بعضا، ويبدو أن المصور المرح قال الكثير الذي لم يصل منه سوى متناثرات، منها: أهمية بلا حتمية أن يحيا المطارد خفيفا كمثل طائر ذليل، إلا أنه محلق بلا ممتلكات أو إرث.

وطالب بأهمية التراضي دون ضجر بما نحن فيه.

وحتى عندما صافحه المهاجر مبتسما مودعا أعاد قوله: ما الفائدة؟

كانت الشوارع الصماء غارقة في ظلامها الدامس، ولا شيء ينبئ عن حياة سوى كوميونات المسلحين عند مفارق الطرق، وكانت السيارات المحترقة مكدسة على جانبي الشوارع بكثرة واضحة.

وبدت الدور التي رحل عنها أصحابها خامدة مستسلمة للوحشة التي حطت على جدرانها وكواهلها، أما أرضيات الشوارع والميادين الفسيحة فقد فرشت بشظايا الزجاج المتطاير من الأبواب والنوافذ والشرفات، ولم يعد يسمع سوى القصف المتلاحق عبر البحر والمحاور.

وكثرت بشكل ملفت أفواج الكلاب والقطط الضالة التي اتخذت أصواتها من نباح ومواء حدة أحالتها إلى أكثر ضراوة.

وحين تيقن من أن العدوى أصابته تداخل أكثر إلى أقرب سور واندفع يعوي.

| الفصل العشرون

أيقظه من إغفاءته أول سرب طائرات مغيرة جاء عبر البحر كالعادة مبكرا جدا مع نسمات الصباح، ومطلع يوم جديد من أيام الحصار والعدوان.

تحسس من فوره هويته، ولدهشته لم يعثر عليها في جيب سرواله الخلفي كما اعتاد على وضعها، بل عثر عليها في جيب سترته الأعلى، ولم يطل تفكيره فيما حدث، ذلك أنه رأى أناسا يجرون مسرعين في اتجاه واحد، فاندفع مجهدا مؤرقا في أثرهم لا يعرف له اتجاها بعينه، رابطا بين قصف الطائرات المغيرة على الأحياء والبيوت التي لا تزال تغط في نومها، وبين أكداس المنشورات التي لا بد وأن محتواها كالعادة مطالبة البقية الباقية من سكان بيروت بالفرار هربا بالجلد وإنقاذا له: ليخلو الجو لهم.

واصل عدوه مرهقا: بيضوا واصفروا.

تداخل مع الفارين إلى حد أنه عاد فسبق الكثيرين منهم، خاصة النساء الثكالى والمسنين والمصابين.

انكفأ مرات على الأسفلت حين لوى عنقه لتصدمه الطائرات في أثره تقذف بالحمم، وبدا له الأمر وكأنه في سبق معها، مما أحاله إلى حمامة مهيضة، إلا أنها أخف حركة من كثيرين.

كتم من فوره رغبة ملحة في الضحك: منذ أن نزلت قدماي هذه المدينة المثقلة وأنا أعدو دون غاية.

غمغم: لعلني أصبحت مثلهم مهجرا.

ردد متذكرا كلام صديقه الرسام الملتحي: ما الفائدة؟

وأيقن بأن هذا أصبح حالنا على أرض هذه البقعة الموبوءة من العالم، أن نجري كثيرا هربا بالجلد ... ومنه.

لماذا نحن بالذات؟ ها هي القارات الخمس من حولنا، ها هي إفريقيا السوداء.

وأعاد إليه الأمر نقطة بدئه وكاره، نفايات القرى، العوامل المنقضية.

قال: السباحة المعاكسة. - اللاهدف. - أخيل. - حرث البحر.

مضى يتأمل الوجوه بحثا عنها بوجهها الأبيض البريء كشاة ضالة.

وانضم الكثيرون للموكب، وتداخلت الأجساد وتقاربت أكثر، نساء وفتيات وأطفال وشيوخ وشبان وأمهات يحملن أو يجررن أطفالهن الرضع باكيات بالدموع.

ما من حارة أو شارع جانبي أو زقاق لم يلق بدلوه في بحر الموكب الزاحف عدوا بلا هدف واضح أو مستقر.

والطائرات في الأعقاب تفرغ حمولاتها من قنابل ودوي وحرائق، أصبح يحس وهجها الحارق فيتصبب منه العرق.

بيروت البكاء ليلًا · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيروت البكاء ليلًاص ٣١