بينما الطلقات وراجمات الصواريخ تدوي، ويبرق ضوؤها المعدني المذهب ساطعا على السحب منطبعا على الطبيعة ذاتها التي تغيرت سحنتها وفضاؤها اللاندسكيبي، فأصبحت في بعض الليالي شديدة القيظ، أميل إلى البرودة وخلخلات صقيع بيروت الشتوي.
حتى إذا ما أعقب صمت الليل الدامس الخالي من كل نور وكهرباء، الدوي، تبدت المدينة عبر صمتها وجراحها النازفة أشبه بجسد عملاق لمريض أو جريح مفتوح البطن، ممتثل لعملية جراحية إسرائيلية النهج.
وعلقت بضع سحنات بذهن المهاجر، منها ذلك الكهل الفلسطيني وابنته العايقة التي قتل زوجها منذ اليوم السادس في الدامور، والذي استوطن إحدى شقق البناية المواجهة، ويبدو في كل غروب محملقا كمشدوه في اللاشيء، ولا شيء أو بادرة حركة تصدر عنه سوى ضرب أخماس في أسداس بأصابعه العشر، كمن افتقد كل شيء، لا بد أنه فلسطيني.
المطاردات لا تنقطع، والمدينة تبدو من كل زواياها ومنافذها كمثل سجن إن لم يكن حصنا كبيرا مسورا بآلات حرب الغزاة الخواجات الفاشست.
| الفصل الثامن عشر
ظل المهاجر موقنا من أنه سيصل يوما إلى غايته ومرفئه الآمن، برغم أن كل ما حوله كان يشي بعكس ذلك، فالعدوان يستشري عبر اللحظة وما يعقبها، ولا شيء يمكن أن يوقفه، يعيده إلى صوابه، لا العالم ولا شعوبه ولا نقاباته ولا رأيه العام أصبح في مقدوره.
الجميع أخفقوا إلى حد الفشل، وضعوا أصابعهم في الشق، كل شقوق هذا العالم الذي نعيشه، ومنها بالطبع الشقوق البشرية، اللحم الطازج الأبيض والأسمر والنحاسي البشري.
لا بد أن هذا ما يحدث.
وضع الأصابع في الشقوق خلفا وأماما، عبر كل التكورات ثم الغشيان، التآمر.
قال: لعل الأمر لم يعد بنا هنا تحت القصف والحصار عن «فابيولات» الرءوس والرمال.
الاستخباء، الدفن.
وها هم الناس من حوله أينما حل يتحركون عبر الشوارع والساحات وشواطئ البحر، بلا طائل، لا مفر.
ماذا يحدث؟
تذكر حديث سيدة شابة كانت تنتصب في وجهه المنكس حين زارهم ليلا خلسة محاطة بأسلحتها من مسدسات وخناجر ورشاشات، بانتظار لحظة وصول ميليشياتهم والتمشيط.
ها هو السلاح مكانه، لن أحركه، وإن حدث ليكن حيث ينبغي أن يكون في وجوههم المعدنية.
صرخت في وجهه: الفاشست ... اللمامة.
وحين حاول إيضاح الأمر، وبأنه لا يبغي شيئا سوى الراحة، لحظة اطمئنان، عاودت الصراخ.
هذه المدينة، كانت يوما تصخب وتشتعل نيرانها ومظاهراتها لأي حدث عربي وغير عربي تافه في العالم، تتضامن وتعبر عن فرحتها، مساندتها، شجبها بالسلاح.
هدأت قليلا وهي تكمل في مرارة: أين نحن الآن؟ القصف والدماء ليل نهار، ولا من يسمع العرب، العالم؟
بصقت: مؤامرة. - مؤامرة؟!
هز رأسه خجلا متحسرا. - صحيح ... أين العالم؟ ما خارج الحصار، الناس في طرقات المدن، العواصم. - لا شيء سوى القصف الذي التهب من جديد، وجاء هذه المرة عبر البحر.
سمعت عبر السلم الحلزوني دقات أرجل لبنات ثلاث نازلات مسرعات، عرف فيما بعد أنهن بناتها، حين اندفعن داخلات وهن يلعن خبر وصول المليشيات الغازية للتفتيش: ماما ماما وصلوا.
ولدهشته حين رأى الأم الشابة ثابتة في وضعها، فلم يرمش لها جفن، حتى إنه حاول الاقتراب أكثر منها لاستطلاع سبب ثباتها المريب ذاك الذي لم يقطعه سوى محاولة كبرى الشقيقات الاقتراب من الأسلحة، عندئذ انتفضت الأم واقفة بجذعها النحيل، شاهرة ذراعها، مانعة ابنتها من لمس السلاح: حذار ريما حذار. كل شيء مكانه. واتجهت ناحية باب مدخل الشقة - البدروم - وفتحته على مصراعيه. - تعالوا.
حين ازدادت ربكته تفجر منه العرق مدرارا.
كبت في نفسه رغبة قوية في الانسحاب، العودة من حيث أتى. - إلى أين؟
ربط بين البنات من جانب، والأم في غلها من جانب مقابل، وتقدم منها محاولا من جديد إقناعها بتمشية الحال، والتصرف على عادة ما اتبعه الناس في بيروت منذ الرحيل الدامي للمقاتلين، وخلو الجو لهم ليبيضوا ويصفروا بعد أن اقتحموا المدينة عقب رحيل حراسها ومقاتليها، وفي أعقابهم فلول القوات المتعددة الجنسيات، فالكل هنا أسلم سلاحه أو أخفاه، أو حتى مجرد التخلص منه بإبعاده في الزبالة التي شكلت بدورها حصارا عما يشكله الغزاة المدججون بأقذر الأسلحة وأحدثها، بدءا بالنيران، مرورا بالنيترون والفسفور، وانتهاء بالجراثيم والطواعين.