أصبحت الزبالة بدورها تشكل حصارا، أكواما في الخرائب والساحات ومفارق الطرق ومداخل البنايات، وحتى الحدائق العامة لم تسلم منها.
ظلت عبر أيام الحصار تنمو وتتراكم، خاصة بعد أن أعلن الغزاة عبر مكبرات الصوت والراديو والمنشورات التي كانت تلقي بها الطائرات من فوق الرءوس، بالاستسلام وإلقاء السلاح.
وبإزاء الوضع والتهديد المتواصل، أخرجت المدينة عبواتها من سلاح ومتفجرات وبارود، ملقية به في الزبالة والنفايات.
حتى إذا ما لامستها النيران ... بقايا سيكارة اشتعلت من فورها وتفجرت من هنا ومن هناك.
وبذا، لم يوقف تفاقم الأمر سوى تحذيرات المسئولين عبر الراديو والتليفزيون. - أبعدوا النيران عن الزبالة.
سمعت قرقعات أقدامهم وأسلحتهم الهمجية عالية وهم ينزلون سلم البدروم الحلزوني المفضي إلى حيث الشقة، وحين اندفعوا داخلين ثبت الجميع في أماكنهم كمثل دمى، الأم ومن حولها بناتها الثلاث.
وامرأتان من الجيران كانتا تلعبان الورق وهما تدخنان وتحتسيان رشفات القهوة الباردة تحت وهج شمعدان نحي في ركن الجدار.
وحين دخلوا لم يتعرف سحنتهم أحد، ذلك أنهم صوبوا من فورهم بطارياتهم وأسلحتهم، حتى إن المهاجر تخاذل جالسا قليلا على أقرب كنبة، ثم هب من فوره منتصبا، دون تيقن إرادي من تصرفه العفوي على هذا النحو، كان مشهدهم مدججين بالظلام، بشعورهم الطويلة المرسلة وتسلطهم وأسلحتهم من مدافع وخناجر وقنابل.
كفت المرأتان عن اللعب، ومن فورهما هبتا واقفتين متداخلتين في تساند.
تبادل جميع الموجودين فردا فردا النظرات المريبة إلى حد الكراهية، انحباس التنفس ذاته، لجنود الدخلاء ذوي العيون الزرقاء والخضراء بخوذاتهم وتجهمهم وقنابلهم المتفجرة من حول أجسادهم.
والناس داخل بيوتهم، البنات الثلاث، المرأتان إلى بعيد، المهاجر الضيف في انزوائه، يده على جيب بنطلونه لحظة استعداد لإخراج هويته، حيث تجمدت يده، مما لفت نظر أحد الجنود الذي أرابه الأمر فاندفع مسلطا ضوء بطاريته على عينيه. هنا أخرج الهوية والأوراق مقدما.
الأم في حنقها الدفين تتأملهم بأقصى شراسة يمكن لعينين أن تفصحا عنها هذه السيدة الرقيقة ذات التقاطيع السمحة، والتي كثيرا ما أكل من يديها الحانيتين وهي تناقشه في كل شيء حتى حكايات القرى والضياع ولغوها. إلياس أبو شبكة وبودلير والتكافؤ مع الشر.
أية شرور يا لبنان!
هكذا تضرعت السيدة، في لحظة محاولة أحد الجنود لاقتحامها، استفزازها، إلى حد محاولة تمرير فوهة بندقيته المشرعة المصوبة إلى جيدها النافر كمثل حمامة أيك، ثم النزول بها إلى نهديها وما بينهما في بطء، مرورا بخصرها وما بين فخذيها.
هنا اختطفت الأم من فورها طبنجة أفرغتها في جسده، في ذات اللحظة صوبت عليها المدافع الرشاشة لتحيلها إلى كومة لحم محترقة أمام بناتها الثلاث.
| الفصل التاسع عشر
كلت قدما المهاجر العجوز تحت القصف المتوالي بحثا عن فتاته الجنوبية التي افتقدها داخل الخندق، وصدرها النازف بالدم مدرارا. زار جميع مستشفيات بيروت بدءا من شاتيلا والبربير، وانتهاء بمستشفيات الهلال والصليب الأحمرين والجامعة الأميركية.
ظل أياما إثر أيام يطوف العنابر ويتداخل في الجرحى المنكوبين سائلا.
المدينة جميعها تدميها الجروح النازفة، ممن قطعت أيديهم وسيقانهم، وخزقت عيونهم، وغابت عنهم ملامحهم، يتحركون على عجلاتهم وعكاكيزهم، وأذرع التومرجية وذويهم والسيسترات والجدران.
القصف لا يتوانى، حتى المستشفيات ولحم الجرحى النازف لم يسلم، وسيارات الإسعاف بأجراسها وإضاءاتها تمر عبر الشوارع المظلمة دون انقطاع.
كم يا ترى يصل حجم الجروح والإصابات لو أنها تراكمت في كفة ميزان - قبان - دون سبب واضح! تعالت ضحكات استلفتت أبصار الجميع وسمعهم، ماذا حدث؟ منذ مدة طويلة لم تطرق أذنه ضحكة قهقهة على هذا النحو، رغم الابتسامات الودودة التي تعلو وجوه الجميع، حتى الجرحى والمشوهين لم يغب عنهم حبورهم وهم في ضماداتهم، معلقين على فراشهم، موثقين من أرجلهم وكعوبهم كمثل ذبائح.