تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أوقعها بأقصى رفق على الفراش ليفترشها «موكيت» الغرفة، بينما ألسنة النيران تواصل زحفها إلى حد الحصار داخل الغرفة.

الدوي لا يتوقف، والارتجاج يصل جدران البناء «الحصني» ذاته وحيث يقيم، إلى حد الإحساس الجاثم بجلطة أو هي ومضة لتوقف ... الموت. - نهرب.

اجتذبها من يدها، وهاله مدى استردادها لحيويتها توازنها إلى حد اختطافها لروبها المنزلي وشبشبها ولفائفها، وكيس نقودها، ومفتاح الشقة، واندفعا جاريين وهما يحتميان بالجدران هنا وهناك، إلى أن تداخلا بصعوبة بأناس على شاكلتهما هربا إلى حيث جراج البناية أو مخبئها عبر السلم الحلزوني الرصاصي الواسع، وفود إثر وفود، لا ينقطع لها هبوط وتدافع.

عرف المهاجر البعض منهم، من سكارى ومومسات مصريات وحبشيات، وفتيات بنية اللون قصار القامات من سنغافورة والفلبين وسريلانكا، والتقى - فيما التقى من وجوه تكدست في رعب داخل جراج البناية - بالعالية وأختها. - مرحب.

وقبل أن يجيب داهمه انحباس صوته كما داهم الجمع الحاشد دوي القنابل المهاجمة، واتساع رقعة النيران الزاحفة، ووهجها اللاسع، تلك التي ضاعف من وهجها، بل ولحاقها وإمساكها بأطراف الملابس التي لحقت بكم ردائه المنزلي، وعرف من فوره أنها من نوع النابالم، حين تقدم منه سمكري لبناني مهاجما، فخلع كم الجلباب منتزعا من عند الكتف، محذرا الجميع الذين لحقتهم ذات النيران والشظايا. - نابالم.

لم يعد يحس بوجوده ولا بالفتاة المريضة، محركا جذعه المستطيل تبعا لاندفاع حركة الناس وهم يتكومون في آخر الجدران، يدفعون بحائطه الخرساني إلى أن أسقطوه مواصلين فرارهم عبر منفذ الأحراش الصخرية المواجهة المطلة على البحر. هنا تراجعت الوفود الفارة بفوهات المدافع المتربصة على طول الشاطئ تصب لهبها. - أين؟

حاول التراجع متعثرا، باحثا هنا وهناك عن الفتاة الجريحة الجنوبية صديقته، دون جدوى.

| الفصل السابع عشر

تحت القصف المتوالي عبر كل المحاور، واصل المهاجر بحثه عن صديقته الجنوبية.

بدأ أولا بزيارة أصدقائهما والجيران، ومسكنها بالمزرعة الذي اقتحمه مهجرون جدد دون طائل.

وفي كل مرة كان يعاود بحثه في الحمراء، وحيث كان يقيم، فيما مشيا فيه معا من شوارع وأزقة، حتى البناية التي كان يقيم فيها، كانت البناية القديمة العملاقة تموج بسكان وغرباء مثله، ما بين مقاتلين ومومسات مصريات وشراكسة، وامرأة بلجيكية في منتصف العمر محاطة بكلابها، وأسر بكاملها تعتلي صور الإمام الصدر وجنبلاط مساكنهم، وموارنة.

وزاد ذلك الاختلاط وفاض حين قدمت جموع المهجرين الذين دكت الطائرات أو البارجات بيوتهم ومخيماتهم، وبخاصة تلك الدبابة التي تفنن الإسرائيليون في تجميع سرقتها من أسلحة فتك ودمار غريبة أخرى من هنا وهناك «الميركفا»، والتي من فورهم أعلنوا عن بيعها وتسويقها معددين قدرتها الخارقة على سفك دم الفقراء وإهداره؛ أولئك المطاردين الذين لا وطن ولا ثمن لهم، من صبرا وبرج البراجنة والكولا ومنطقة الجامعة العربية والبريد وشاتيلا.

كانوا في تجمعاتهم يواصلون زحفهم من موطن أو مسكن لآخر أكثر أمنا، ما بين أحيائهم الشعبية والجبل وقرى الجنوب والشمال، لا شيء يشكل هيئاتهم وملامحهم سوى الفزع والفرار هربا من الجلد، بل خروجا منه إن أمكن.

كانت الناس تحت الحصار قد بدأت تعرف بعضها البعض، سواء وهي تتبادل النظرات المستطلعة عبر الشرفات والبلكونات ونواصي الشوارع وشواطئ البحر، والمقاهي، والمخابئ، وجراجات السيارات، وكمبونات السلالم، وأسطح البنايات، والجناين، والحدائق العامة.

كان المحاصر منهم يتطلع إلى جاره أو جارته، وجه أسمر فينيقي أو أوروبي، وبخاصة فلسطيني، يبرز له مرة مطلا غارقا في أوهامه ومخاوفه، من فجوة شقة، أو عبر ستائر أو شباك أو كرسي هزاز.

بيروت البكاء ليلًا · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيروت البكاء ليلًاص ٢٧