تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحين أحست الممرضة المتجهمة طويلة الوجه بما يعتمل في أعماقه؛ طمأنته: إصابة سطحية.

ذكره الدم المتجلط فيما حول صدر الفتاة الرحب، بذلك الشعار الدموي السالف لأرجوان فينيقيا الذي تغنت به الإلياذة الهومرية.

عاود الاسترخاء بملامسة رأسه لوسادته، متحسسا ما تحتها بيده اليسرى: الموسى.

من جديد تلاقت عيونهما الغائرة في ثقب الضمادات البيضاء: بسيطة.

هزت له رأسها مبتسمة لحظة انسحاب الممرضة المتجهمة التي سحبت شنطتها خارجة، مغلقة الباب عليهما في عنف صاخب.

من جديد عاودهما الصمت الذي لم يكن يقطعه سوى دوي القنابل التي تطحن أحياء الفقراء والمهجرين في صبرا وبرج البراجنة وشاتيلا وما حول الجامعة العربية، ويسمع صداها المدوي عبر الليل والإظلام في شوارع الحمراء: آي.

كان قد أغفى قليلا، إلا أنه سرعان ما وضع منظاره على عينيه مستديرا برأسه صوب الفتاة: ماذا؟

أشارت بيدها إلى صدرها: دم.

هب من فوره حافيا إلى أن قارب فراشها منحنيا، بينما اندفعت هي متألمة وعلى جبهتها تقاطعت خيوط العرق النازف.

حاول تهدئتها مطالبا إياها بالاستسلام للاسترخاء للنوم، إلا أنها بدت أكثر عصبية. - نار.

أشارت إلى حيث الأربطة، وحاول هو ملامسة صدرها، حيث امتلأت خياشيمه بروائحهما الجنسية التي يعرفها، يخالطها روائح اليود وصبغاته. - نار.

لم يعرف كيف يتصرف بإزاء الفتاة التي تبدت آلامها في انفعالات وجهها وذراعيها وهي تنشج ألما: نار.

هو يعرف عن الفتاة مدى تحملها ... جلدها، ابتسامتها الضنينة الشاحبة المبددة لكل ألم وتهافت: ماذا جرى؟

أتكون الممرضة تلك المتجهمة، غامضة النظرات، قد تعمدت أو هي أخطأت؟ دفن عينيه أكثر فيما بين تكورات نهدي الفتاة الجنوبية التي من فورها أحاطته بذراعيها، مشددة حصارها حول عنقه ومطلع رأسه جاذبة، كمن تنشد ومضة حماية.

حاول هو مرات أن يخفي عينيه مغمضا عن صدرها المتفجر بالدم، الذي مضت قطراته تأخد لها مجرى، لتعاود الضمادات القطنية رشفها وامتصاصها.

ولما لم يجد له منفذا والفتاة متألمة تغرز أظافرها - المقصوصة - في عنقه وقفاه دون وعي، مد يده في حذر وراح يمررها محاولا الإمساك بطرف الضمادات التي كانت قد تلاصقت حلقاتها من حول الصدر الطافح بفعل الدم النازف المتجلط. - أوه ... أوه.

وجد منفذه حين قارب أكثر صدر الفتاة مستعينا بطرف لسانه ويديه الاثنتين في حذر، كمن يذيب بلعابه دم صديقته الحنونة، التي مضت من فورها تواصل شهقاتها وتعلقها أكثر بعنقه: بشويش.

وحين نجح في حل ضمادات البز الأيسر، واصل من فوره لعق الدم وما خالطه من أصباغ تلك الممرضة الجهمة.

تذكر صفعها المفاجئ بعنف جلي لباب الشقة الخارجي، وتذكر أنها لم تبادلهما التحية ولم تنطق بشيء.

دوى القصف الشديد للعدوان والحصار، والسماء الصماء النحاسية تبرق عبر زجاج الشرفات بوهج نيران المقاومة التي غطت كل سماء بيروت.

هنا احتضن الفتاة بأقصى عنف، بينما يده اليسرى ترفع عن صدرها الثاني ضماداتها دفعة واحدة، صرخت لها الفتاة من أعماقها، مشيرة بأقصى توجسها إلى البنايات المقابلة عبر الجدار الزجاجي التي لحقتها نيران العدوان، فسقطت متهاوية بأطفالها ونسائها وعجائزها يطلبن الرحمة بأيديهن المتضرعة طلبا للنجدة، الغوث، وما من مجيب سوى اندلاع النيران المتصاعدة التي برقت ألسنتها مقتربة أكثر، ذلك أنهما أحسا وهجها إلى حد احتراق جلديهما، حتى إن ألم الفتاة وصدرها النازف لم يعد - على عادة ما نعرفه عن الألم ودرجاته - بإسقاط أعلاه الحارق لأدناه الدامي. - النار.

احتضنها مبتعدا - إلى الحافة المقابلة للفراش - عن ألسنة النيران المندلعة المحاصرة، ودوت الطائرات العدوانية المغيرة، التي لم تكف، والتي تواصل حصارها من لا وطن لهم، زاحفة على كل فراش ومنفذ.

بيروت البكاء ليلًا · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيروت البكاء ليلًاص ٢٦