ذلك الاجتياح العدواني الضاري الذي يتصدره الطوطم السلف: النجمة المسدسة.
أشارت إليها من فورها بيدها القصيرة، حمراء متوهجة في الأفق البعيد تبدت من بين شقوق العمارات وفراغاتها، كمن تسقط من السماء.
وحين احتواها الفراش، بدا الأمر أكثر صعوبة، ذلك أنها راحت تشكو وتشكو رافعة ذراعها عاليا.
أما يده هو ساعتها، فكانت دائمة العبث في الموسى المستقر تحت مخدته دون معنى، قال مبعدا وجهه عنها: كان من الواجب أن أكون أكثر دقة، إحكاما، أن أبعده حتى لا يؤذيها الأمر.
راح يتأمل وجهها الشاحب وعينيها الخرزيتين وهي تتخفف من أثقالها المطاردة عبر المدن المحاصرة، حيث لا مهرب سوى الاختباء: إلى أين؟
قالت: هنا.
قام بجذعه الأعلى عن فراشه ، ومضى يتأمل وجهها العصبي الحاد طويلا، زاما فمه في حنق من سدت عليه جميع المنافذ.
عاودته نقطة بدئه حين حزم حقيبته ذات نهار بعد أن ضمنها كتبه وحكاياته، حاسما الأمر مقررا استيطان هذه المدينة المهترئة بالحرب الأهلية والتصفيات، معاودا البحث في مخلفاتها، ويمكن القول: نفاياتها بحثا عن منفذ أو مكمن داء عضال يفت في جسدها المريض القابل على الدوام للتلوث.
هذا على الرغم من تيقن المهاجر بأن الأمر فيها سيكون أحسن حالا وأقل حصارا من مثيلاتها العربيات في الحجاز ونجد وصنعاء وقرطاج وعمان والقاهرة.
ذلك أن داءات مثل هذه المدن وأمراضها المستعصية لها أيضا مستوياتها الأقرب إلى الخطر واستفحاله.
ها هو أخيرا على أرض ما كان يظنه فردوسا هيلينيا فينيقيا لمجتمع ثقافي مستنير، يؤوي الغريب قبل القريب ويحميه.
هنا في هذا الوطن الجبلي الوعر، المزين بخيرات الأرض وعطائها الموسمي المزدهر.
أجل على أرض اللورد النبيل الذي كان جميلا فعشقته النساء، أدونيس «أدون».
وعاودته حكاياته - كاره - تلك الممددة أكوامها على طاولة الطعام لم يلمسها منذ نزوحه مهاجرا، وما حدث على تلال عمان - حين عاودته النوبة التي عادة ما يفجرها الحصار، ويمكن القول لا متناهية الحصارات التي اعترضته، بدءا بالرقباء وأجهزة القمع في القاهرة، وبالغيبيين والسماويين والجهلاء، لحين مجيء الأكاديميين: الرئيس ونائبته البدينة التي تقتات بالتهام
التساؤل، لماذا ضحكت فتاة الجنوب في سذاجة طفلة؟ - تذكرت النايبة.
عاوده تزمته، ويمكن القول ذلك التعبير المتندم المتبدي على الدوام في عينيه تحت منظاره، فمه، أنفه المستطيل، هزات رأسه: ماذا جرى؟
الدوي يكاد أن يقلب تلك البناية الخرسانية العملاقة كمثل حصن تنقصه أحصنته وخيوله الغازية. - ما زالوا يدكون مخيمات الفقراء.
غمغمت: عالية ... عرمون.
تذكرت ما تبقى من أصدقائها الأحياء منذ نزحت مهاجرة مع أسرتها من إحدى قرى صور، مطاردين بالقذف الإسرائيلي وسقوط البنايات القديمة التي أحبتها على رءوس من فيها من أمهات وبنات في سنها وأطفال.
تذكرت صديقتها الدرزية المتشاحنة دوما مع كل من يحاوطها، وأختيها وخالتها السريانية: راحوا.
توالى القذف إلى حد تطاير شظايا زجاج الشقة مخترقا جسدها نصف العاري تحت ملاءة السرير التي غطتها على الفور بقع الدم.
آه.
وفي هذه المرة لم يسأل أحد في جرحهما الدامي.
| الفصل السادس عشر
بدا المهاجر وفتاة الجنوب تحت ضماداتها الصمت كما لو كانا ينصتان عن آخرهما إلى دوي الطائرات الأمريكية المعربدة دون رادع، حياء في سماء بيروت المقاتلة. - مرضى ... صهاينة.
جاءت الممرضة بوجهها المستكين المتجهم الذي ذكره بوجه العالية، وراحت من فورها ترفع أربطة الفتاة من حول صدرها الكبير المغطى بالدماء، مضت تدلكها محاولة تخليص لفات القماش الطبي المتجلطة بالدم الأحمر النازف المتجمد فيما حول تكورات نهديها النافرين: آي.
هاله جمال صدرها حين هب برأسه عن وسادته، ومضى يرقبهما في فضول لا يخلو من شره: فاشست.