اخترقت الطائرات الأجنبية حواجز الصوت من فوق رأسيهما، حتى إنها ارتمت بالجدار محتمية. - ماذا حدث؟ - أشعر بدوار.
لحظتها كان دمها قد أسيل من عند مفترق شعرها العسجدي، دون أن يبدو على وجهها الطفولي الباهت أثر الألم، ظلت ترقبه وهو مقرفص بجوار جدار محاولا التقاط قطرات الدم بمنديل ورقي، مبتسمة: إلى هذا الحد.
قالت دون أن يلتقط الكثير مما لفظت به في عصبية: أجل، القلب تحمل الكثير، مثلك.
وحين أعجبه قدرتها على التحمل، طالبها من فوره التماسك لحين وصولهما إلى البيت، رغم تيقنه من صعوبة مثل هذا الأمر.
ذلك أن الشوارع كانت قد بدأت تغلي بالحركة والمسلحين ودوي القصف المتبادل ما بين الأرض والسماء الملبدة بالغيوم والنيران.
لماذا على هذا النحو يرمون بلاءهم على كاهل مدينة عتيقة مثقلة بالحرب الأهلية التي مزقتها بالمدى والسكاكين على هذا النحو، العدوان ضارب الحصار والأظافر، عبر كل منافذها الستة، حتى البحر.
ومن كل مكان تطل تلك النجمة النارية الطوطم: نجمة داود.
أشارت إلى حيث كان يجري الإنزال؛ لتتلقفه سناكي المقاتلين الفلسطينيين الفقراء على مشارف بيروت.
المقاتل الشيوعي والفلسطيني في الدامور، وصيدا البطلة منذ الأزل، وقلعة الشقيف، وخلده.
الأشبال على المحاور يتصدون للفاشست المعضوضين على طول تاريخهم.
مضت دائخة وهي تتطلع إليهم؛ شبان في ذات سنها ولكنتها الجنوبية، التي جاهد المهاجر طويلا في استيضاحها منها، حين اندفعت قائلة - كمن تعارك ذاتها بذاتها - منفعلة: أجل، على هذا
النحو منذ أن ولدت في إحدى قرى صور نفس الشيء، القصف الإسرائيلي بسبب وبدونه، وحتى عندما أمضيت طفولتي الأولى بالقنيطرة بسوريا، نفس العدوان، وحرق الدور، ورحيق حياة القرى، وها أنا في بيروت المحاصرة بالعدوان، إلى أين؟
مال عليها بجذعه الطويل مطمئنا، وهو يدغدغ آخر أطراف أصابعها بأطراف أصابعه هو، وداخله خوف خفي من افتقادها، تراه فارق السن، أم الموروثات، أم التبصر: لعل ما يجمعنا هو افتقاده.
تساءلت: شو.
قال: كان يشدها شدا إلى حد التوقف عن السير، وجوه أطفال المجرين المعدمين على صدور أمهاتهم، حيث افترشن الطوارات ومداخل البنايات والسينمات التي ما زالت تعلوها أوضاع «رومي شنيدر» تزحف على بطنها عارية، بيدها سكين مشهر: على بطنها تزحف، وترابا تأكل وتقتات.
وحين صعدا سلالم البناية ذات الطرز البيزنطي حيث يقيم، أضاءا شمعة لاستكشاف الطريق.
على جانبي السلالم وطرقات البناية ذاتها، تتراص وفود المهجرين ومن دكت منازلهم الآمنة تحت قنابل الصهاينة، أعداء كل الفقراء وجمال عرمون وعالية والشويفات وخلده.
وحين أشعلا الشموع عبر المكان، وصبت هي الشاي، واصلت حديثها المحتدم العصبي: والديها المهاجرين، والبيت الذي كلما ذقنا الأمرين في بنائه أعادوا هدمه بالقنابل وراجمات الصواريخ الضالة، مدرستها على طريق مطار بيروت التي احترقت مرتين، وأتوبيس المدرسة الذي دمر بأطفاله ونجت هي والسائق صدفة.
قال: أجل، صدفة.
أعاد القول لنفسه وهما يعبران ميدانا يغص بالجنود، والمارة عن آخرهم يعلو الاكفهرار الأميل إلى الحزن العميق جباههم المحتدمة العالية: صدفة! إنها الشيء الوحيد الغائب عما
يحدث على أرض هذا الوطن الصغير المعذب لبنان، أين هي فيما يحدث؟ إن الأمر أميل إلى المعادلات الرياضية الجافة إلى حد الأرقام وثقلها ليس غير، ومنذ الأزل. صحيح أن الأمر لا يعنيني بدرجة كافية، سوى من حيث الحكايات، كيف أني مجرد جامع لها من أفواه عجائز القرى المعدمة، المتلاشية قسرا وبالضرورة، مثلما يحدث الآن على أبواب وهامات المدن والدول القديمة: صور، صيدا، بيروت أمام العدوان الصهيوني، فما بالنا بالقرى والنجوع؟!
وعلى هذا، فالأمر متتابع الحلقات منذ الأزل، هكذا تقول وتصر على القول حكايات القرى وتخاريفها الليلية.