وبدلا من أن يضحك المهاجر كالعادة عقب كل مأثورة وحكاية فشر، ابتسم، إلا أن ابتسامته توارت حين سمعها تهمس في أذنه: «حبيبي» إلى حد أن عاوده الاكتئاب.
استدار مسرعا كشاب منفصلا عنها.
وحين تمالك نفسه مستديرا باتجاهها، هاله أنها منكسة كمن ارتكبت ذنبا: بل راحت تعبث بعينيها فيما يصل أعلى ركبتها من زهور برية، من تلك التي لا وطن لها، وفي معظم الأحيان تتخذ من الأرض المهجورة الصلدة منبتا لها؛ لتزهو ببراعمها حمراء قانية تتخللها النقاط السوداء الفاحمة.
قطفت ثلاث زهرات برية رشقتها في صدره.
حتى إذا ما دلفا جنبا إلى جنب إلى داخل العنبر، بدا وكأنما هما يخطوان على إيقاعات مارش محبب.
تطلعت إليهما معظم عيون المرضى والجرحى، لكن أين هم؟ لقد قاموا جميعهم هاجرين سرايرهم، يتزاورون ويتحلقون في ممشى الطرقات الرئيسية التي تفصل ما بين الأسرة، يتبادلون اللفائف والبيرة والسفن أب.
وتعرف هو من فوره رغم الكمامات على أكثر من باحث زميل، وفتيات العلاقات العامة الثلاث، وشبيهة لعالية، بل والعالية وأختها حين قدمتا لزيارة النزيلة المشابهة.
انحنى ليسمع تعليق فتاة الجنوب التي كانت ساعتها تضغط يده: غريبة دول زينا.
قال في حشرجة لم تتفهمها الفتاة: سلام.
ومن فوره استدار محرضا: الخروج من هنا، الآن.
وعلا تساؤل النزلاء: إحنا هنا ليه؟
إلى أن جاء العدوان الصهيوني بالجواب، لم يبعد عنه، جاء هكذا مستشريا من الباب للطاق، وإن لم يخل الأمر طبعا من مسببات أو تلفيقات بثها راديو العدو، عن أمن الجليل وسلامته.
أي جليل، الجليل الفلسطيني ، ضد من ... سكانه المطرودين؟ إذن فلنعاود طردهم.
وكلما تواترت الأخبار بالاجتياح هاج المرضى داخل العنبر، وعنابر أخرى لا يحدها بصر كانت قد بصرت فتاة الجنوب بهذا المهاجر الذي واصل تحريضه بالخروج.
إلى أن اندفعوا جميعهم خارجين تحت القصف بملابس المستشفى عبر شوارع بيروت المظلمة.
| الفصل الخامس عشر
ظل ممسكا بيد الفتاة الجنوبية وهما يعبرون الشوارع المظلمة التي تطحنها الحرب، آلاف القنابل العدوانية تدك المدن والجبل، المخيمات والأحياء المكدسة بالفقراء، من لا مأوى لهم، قالت: حبالى.
نساء بملابس نومهن وشباشبهن يسحبن أطفالهن في حرص، ورجال يحملون ما أمكن إنقاذه من بيوتهم وجحورهم التي دكتها القنابل المعادية للفقراء، أينما وجدوا. قدموا من أمريكا وإسرائيل بطائراتهم الفانتوم لقتل هؤلاء الحوامل وأطفالهن في بيروت والجنوب والبقاع، زحموا شارع الحمراء وما حوله وما تفرع عنه من حارات وجادات.
افترشوا مداخل العمارات والبنايات والحدائق، وكورنيش البحر والأوتيلات، وأسطح البيوت، والمدارس والمواخير.
بينما تبدت الطائرات المغيرة كما لو كانت تتعقبهم أينما رحلوا بصبيانهم وهلعهم المتبدي لتدكهم دكا؛ من لا وطن لهم.
المدينة كانت تشتعل بالنيران والشظايا والحرائق، والأنباء تحمل قصف الصهاينة للجمال في لبنان خلدة والشويفات والدامور وعرمون وعالية. - الفقر والجمال.
ابتسمت له وهي ترفع رأسها عاليا وسط الظلام المطبق، إلا أنه واصل طريقه بصعوبة دون أن يتخلى عن العودة إلى منطلقه ذلك الذي قدم به من القاهرة لتغرقه أحداث بيروت على هذا النحو، قال: الأمر لا يبعد كثيرا، ذات ما جئت به، الطفح، أجل، باكابورتات العصور القديمة التي كانت. وهنا على ذات أرض هذا المكان؛ الأسوار القديمة، ملايين الأسرى في حجلاتهم، والقتلى هم ملح الأرض التي على ترابها وصخور جبالها سقطوا.
استوقفته حين ضغطت يده الممسكة بيدها الصغيرة الهشة، المخيمات التي انتصبت في زوايا الميادين والجراجات من فورها النيران المتوهجة، الناس وهي تركض طوابير إثر طوابير، طوفان النيران المتوهجة التي تشعل السماء: ماذا حدث؟