تذكر دفاع التومرجي الملثم في مواجهته: ما نحن سوى نزلاء مثلكم.
سقط بصره أرضا باتجاه الفتاة المعلقة بأطراف أصابعه بعينيها نظرة من تنتظر استطلاع الأمر، ولما لم يجد كلاما يقوله، استلقى على النجيل وأعناق الزهور البرية ممددا وقاربته الفتاة جالسة. - وبعدين؟
أصوات الجوارح تطغى على كل صوت حتى أزيز عجلات نقالات نقل المصابين الجرحى، التي تضاعف نشاطها، مئات من النقالات لكلا المرضى والتومرجية المقنعين: كل دا.
مضت الفتاة الصغيرة تعبث وهي تتشمم بأنفها الدقيق روائح اليود والصبغات التي أثقلت من «شوب» اليوم وحصار الأسوار الشائكة وعواء الجوارح أعلى القبة فوق.
فجأة توقف تومرجي العنبر مفتول الساعدين، متخليا عن نقالته ومريضه بالقرب منهما، ساحبا بيديه كمامتين ألقى بهما إليهما قائلا مهددا: البسا.
ومن فورها وضعت الفتاة قناعها على وجهها المكفهر، وساعدته في ارتداء قناعه، واندفع كل منهما يتأمل الآخر عبر قناعه فترة في توجس، انسحب على أثرها عامل المستشفى دافعا جريحه إلى بعيد.
ولما كان صوت المهاجر قد وصل إلى درجة من الانحباس الكلي؛ لذا بدا الوضع أكثر صعوبة من حيث التعبير، كيف والأمر برمته أصبح على هذا النحو الضبابى تحت صهد يوم صيفي كهذا وفي منتصف نهاره بالضبط: جوارح جرحى.
كانت الفتاة دائمة التطلع إلى عينيه من أسفل إلى أعلى عبر زجاج منظاره الطبي، على اعتبار أنهما الشيء الوحيد المفصح الذي لم يصل إليه القناع؛ لذا حاول جاهدا شرح الوضع لها، وهما في طريق عودتهما إلى العنبر، ذاكرا بأن الوضع في مجمله غير طبيعى، خاصة ما حدث منذ وصوله، وضراوة الأخت الصغرى الضخمة، كرد فعل طبيعي للأشياء والفراديس المفتقدة، مضافا إليه نيران المحاور، الحصن الجماعي، ما الذي تبقى؟ فها هي حكايته، عمله وكاره لم يقاربها منذ مجيئه ولو بمجرد القراءة، تلك التي أضناه جمعها وتحويشها سنين، أين هي منه؟
ورغم الكمامة التي تغيب ملامحها فيما عدا عينيها، فقد تبدت في عينيه تحت وهج الشمس، وحدة صدى أصوت الجوارح كمثل إلهة بحرية ضاحكة متفائلة.
ضحك قليلا ربما للمرة الأولى منذ هروبه، حين عرف أن ما أبهجها هو ذلك العالم المنقضي لحكايات: موت البجعة، وكسارة جوز الهند، والسمساوية، والعندليب الحكيم الذي أمسك به ذات مرة رجل مغفل.
قالت: احك لي واحدة.
ضحك المهاجر عاليا عبر قناعه ... كمامته.
| الفصل الرابع عشر
بدا كمثل جد عظمي مفرط الطول يلاعب حفيدته.
لاعبها طويلا برغم الكمامتين، حاكيا لها واحدة مضحكة: ابن ملك تحت الأرض بيحب بنت ملك الأرض.
تحركت الفتاة الصغيرة بإيقاع ابنة ملك الأرض، مما أعاد الابتسامة إلى شفتيه، حين واصل متقوسا على نفسه حاكيا بصوته الذبيح في أذن فتاته: لقي البنت ماشية في يوم في جنينة أبيها، قرب منها، البنت سحرت نفسها فرخة تكاكي، تصرخ وتقول: يا أولادي. «توقف.»
وابن الملك سحر نفسه ديك وجرى وراها في الجنينة، فالبنت انقلبت رمانة، الديك مضى يلقط حبها الأحمر ما عدا حبة رمان انقلبت حية، طاردت الديك لحد ما مصته ... قتلته.
مضيا يضحكان طويلا ويعبثان عبر حديقة مدخل عنبرهما.
وحكى لها مومئا معبرا بجسده الشاهق وأطرافه كمثل ممثل صولو: أسد شاخ وضعف وتمارض ورقد في المغارة، وكل ما يزوره حيوان يفترسه، لكن لما جاء الثعلب يزوره ويسلم عليه قال الأسد العجوز: اتفضل، ادخل يا أبا الحصين.
الثعلب قال له: أدخل! ... بعد كل الضيوف اللي دخلت ومآنسينك بعد!
وأعجبته حكايات الضيوف الثقلاء، فروى لها واحدة جديدة كانت تعقبها بضحكاتها الصافية: مرض غزال وجاء أصحابه من الوحوش يزورونه، يأكلون عشبه وحشيشه، ولما صحا لم يجد شيئا، فقال: آدي الضيوف وبلاويها.
وبادرته بدورها بحكاية جنوبية: اصطاد كلب أرنبا ومضى يعضه بقوة ويعود يلحس دمه في حنان، فقال له الأرنب: تعضني كأنك عدوي، وتقبلني كأنك حبيبي!