تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هنا وهناك على طول مرمى البصر تراصت العنابر المستطيلة الغارقة في الصمت، ومن حولها انتشر عمال نقل المرضى والمصابين الجرحى المقنعون يدفعون بنقالاتهم البيضاء في كل اتجاه بشكل منسق للغاية. في أقصى الأفق البعيد ينتصب مبنى إدارة المعزل، بلونه البني القاتم، وشرفاته الرحبة، ومن على رأسه ترفرف الأعلام الملونة في حركة عكسية لأسراب الطيور الضخمة العملاقة التي راحت تحلق ضاربة بأجنحتها طائرة في اتجاه دائري واحد، فيما حول القبة العملاقة التي ينتهي بها المبنى المدجج بالحراس والمقاتلين.

نبهته الفتاة الصغيرة وهي تأخذ بإصبعه بين راحتيها بألا يشير بإصبعه على هذا النحو: هس.

حاول نزع سبابته من بين يديها، موضحا بأنه لا يعني المبنى الرئاسي لذاته بقدر ما هو يعني الجوارح، من حداءات ونسور وخفافيش، وتحليقها على هذا النحو، ولا شيء يطغى على سمع المكان بأكمله سوى أصواتها الجارحة المعدنية الصدى، تقطع أحبال صمت المبنى بأكمله. - لا بد أن في الأمر وليمة.

أردف: بشرية.

انفصل كلية فجأة عن الفتاة، وعاودته زمة شفتيه وهو يتطلع بعينيه في توجس مستطلعا المكان، الذي اختلط من فوره - داخل مخيلته - بأماكن لها ذات الصمت الموحش أو المتوحش ذاك، رغم إحاطتها بالكثير من المناظر البهيجة المنفتحة الخلابة، حيث لم يكن الأمر يخلو من شلالات مياه أهرامات مدرجة، بقايا أصنام هائلة الضخامة تنتصب في الأفق الأحمر القاني مع الغروب، قرى جبلية مطلة على هذا النحو، نيل وبحار وأشلاء غابات ونخيل مفرط الطول.

أما الفتاة، فغرقت بدورها في أفكارها طويلا، تذكرت بلدة أمها عبلة التي كانت - القنيطرة - حيث تربت في حضن الجبل وجدتها. - أين؟

البلدة ضاعت والجدة ماتت.

مضت تحكي له حكايات لا رابط بينها، عادة ما كانت تختتمها بأنها لا تعرف ولا تدري، وهي تشرح له بساعديها الدقيقتين راسمة شبه دوائر غير مكتملة في فراغ.

وتذكر هو من فوره بناءات وعوالم ومعمارية وفراغات ذلك المصور الميتافيزيقي السريالي، دي شيروكو، غمغم ملتاعا: يا له من يوم!

من جديد عاود احتضانه للفتاة، مومئا برأسه عاليا إلى حيث الطيور المحلقة الضواري، بجلجلات أصواتها: إحنا هنا ليه؟

مرقت من حول مبنى الإدارة الشاهق البعيد، سيارتان سوداوان فاخرتان، تتصدرها الأعلام الرئاسية، نزل منها ركابها يضحكون متطلعين هنا وهناك باتجاه العنابر، والأسوار الشائكة المسورة للمعزل بكامله، وتناثر منهم بضع كلمات سمعتها الفتاة بدقة، حين أسرت في أذنه اليسرى مشرئبة: بيتكلموا عن وباء.

تساءل من فوره: وباء والا انفجار؟

تساءلت: إسرائيل.

وحين انسحب الضيوف داخلين المبنى الرئاسي، جاهد هو في ألا تعاوده الحالة، سعل طويلا وبصق جانبا دون أدنى تحرج من الفتاة البسيطة الرقيقة، التي حاولت مساعدته في ارتباك مما ألم به.

ونجح أيضا هذه المرة في أن يركز اهتمامه المركزي على الجوارح المحومة تحت وهج الشمس حول المبنى بأصواتها الجرسية المدوية.

وما إن فتح عينيه معاودا التنفس بصعوبة، حتى أسر لنفسه وللفتاة التي لم تفهم شيئا: يبدو أن الأمر سيطول ... هاه؟

تخفف كل منهما من ملابسه، وقاما يذرعان مشيا مساحات الظل الضنينة فيما حول أشجار حديقة الليمون وزهور الإنترهينم بأفواهها المفتوحة على هيئة حيوانات دقيقة صريحة الألوان والعطر.

توقفا في مكانهما حين وصل تحليق الطيور الضواري من فوق مبنى الإدارة، وهي تضرب بأجنحتها وأصواتها إلى حد العنف ... الصراخ.

وأمكن للفتاة الصغيرة لحظتها أن تربط بلا خوف، بين برودة أطرافه حين تحسستها، وبين ما يحدث.

قال: أروح فين؟

بدا وجهه مفصحا للفتاة إلى حد جلي، حين ركزت عينيها التركوازيتين الخرزيتين على فيزيقية جسده بكامله، وهو يزم شفته مستطلعا ما يحدث عبر فراغات المؤسسة التي يغلب عليها اللون الأبيض، ليس من المنطلق الجمالي، بل لا بد أن الأمر هنا متصل بالدرجة الأولى، يتعذر هروب النزلاء، الأمن: أين؟

بيروت البكاء ليلًا · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيروت البكاء ليلًاص ٢١