تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أحس بوخز زوره، غمغم بذات الصوت الأجش المبحوح، وهو يتطلع ماسحا أعلى حوائطه بعينيه.

صحيح أنه لم يكن ذات العنبر، بسرائره الحديدية والبطاطين رمادية اللون على عادة الميري.

وبدا استياؤه جليا في عيني تلك الفتاة الجنوبية كطفلة صفراء الوجه حنونة ، حين قاربت سريره في جينزها الأزرق وحديثها المفصح متحسسة جبهته، نبضه.

وحين فتح عينيه في عينيها بدت منكسة أكثر خجلا، سألها أكثر من مرة بلا صوت سوى الفحيح «لماذا هو هنا؟» ولما لم تجب تصورها جزءا من جهازهم العام.

مرة أخرى فتح عينيه حين راحت تدثره ببطانية وهي تشدها شدا من تحت منطقة وسطه في صعوبة.

كيف يمكن إفهامها، راح يشير إلى منطقة زوره: اللوز.

وحين أومأت إليه فاهمة، مضى من فوره شارحا الأمر، مشيرا مرة إلى أعضاء جسده الخشبي الممدد، ومرة إلى رأسه، ومنطقة الحجاب الحاجز وفكيه.

قفز جالسا وهو يقاربها، سائلا بصعوبة أجهدت الفتاة بقميصها ضارب الزرقة المزين بفراشات ذهبية تغطي منطقة نهديها: دي مصحة والا مستشفى؟

وحين أجابته الفتاة بالنفي، واصل: يبقى معتقل.

ضحكت الفتاة وهي تحاول إقناعه بأنها مجرد زميلة، حيث إن فراشها في أقصى العنبر ونفس صفه، وإنها هي أيضا لحقها الانفجار، إلا أنها مثله لم يصبها جرح، كل ما هنالك أنها استغرقت في النوم ولم يوقظها سوى صوته.

قال بصعوبة مشيرا من جديد إلى زوره: صوتي راح.

وسألها إن كانت تسمعه، فأجابته: بصعوبة شوية.

أعجبه ابتسامتها التي ذكرته لومضة بحقول مصر الممتدة، فمضى يشرح لها الأمر كله مستعينا بيديه وذراعيه في ملامسة يديها البضتين البيضاوين، وكتفها وعنقها النافر كمثل حمامة أيك دقيقة حين تنفعل وتتفاعل مع شرحه للأمر كله، لحين تذكيرها لما تعرض له طيلة أيام السيمنار، مذكرا إياها باقتراحها بكتابة سؤاله وتقديمه للرئيس، حين التهمته النائبة من فورها قبل أن يصل يده.

ضحكت طويلا، وأشارت إليه بأهمية الخروج، وحين سألها مقاربا هذه المرة وهو يتحسس مفرق شعرها العاجي الأحمر، أعادت التأكيد بالإيجاب. - بل يمكننا الخروج معا.

ضمها من فوره إلى صدره العظمي، وقفز مرتديا ملابسه بعد أن أقنعته بأن هذا العنبر الذي تساقط طلاؤه ما هو سوى رقم، أو عربة في قطار ممتد الطول من عنابر مزدحمة تغطي الأفق.

وأدهشه أن الأمر لم يستغرق كثيرا، ليجد الجهة المقابلة، ويدلفان خارجين إلى حديقة الليمون .

| الفصل الثالث عشر

حين غمرتها الشمس الساطعة خارج العنبر، أخفى كل منهما عينيه بكفتي يديه، كان الوقت فيما بعد الضحى، الحر لا يطاق، وشعر هو بخطأ لارتدائه ملابسه بالكامل حتى الكارفاته حين تصبب عرقا. كانت في بعض الأحيان تقوم بتجفيفه بمنديل يدها الصغيرة الرخيص، إلى أن جلسا على دكتين متقابلتين في ممشى الحديقة المحاذية للعنبر، وأجهدها المهاجر في معرفة جلية الأمر، مستشهدا بما حدث في ذلك السيمنار المشئوم، ولم يخل الأمر من ذكر أمراض الشرق الأوسط المستعصية: اللاأمن، اللاتوازن، إسرائيل والضحية الأخيرة لبنان، وأحبولتها التي لا تبعد كثيرا عن بحث الفنلندية الفاتنة حول الحزازير والفوازير، لحين وقوع الهجوم المفاجئ، وتهتك مبنى الأوتيل البحري والانبطاح أرضا، ووصول سيارات النجدة والإسعاف.

وحين وصل هو في حديثه إلى حد زيارة الوزير والمسئولين أنكرت هي كلية معرفتها بهذا الأمر، وهي التي لم تصح إلا منذ حين.

حاول بصعوبة ضاعفت من نزف عرقه مدرارا تذكيرها بالزيارة والفلاشات، ومداعبته التي عجز عن إيضاحها لحين فرحته بوصول منظاره الطبي حين ناوله له الرئيس ممتنا.

عاوده يأسه فلزم الصمت حين أصرت الفتاة الصغيرة على عدم تواجدها فيما حدث رغم الضجة والطنين وتعللت بالنوم، فوافقها مكرها، وهما يزحفان على طول مقعديهما في اتجاه معاكس للشمس الحارقة.

بيروت البكاء ليلًا · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيروت البكاء ليلًاص ٢٠