وحدثت أحداث جسام، منها اغتيال الأمراء الهلاليين كلا من العدنانيين وبني زغبة الجنوبيين.
أما دياب فحاول جاهدا التوسل لفك أسره دون جدوى:
تجازيني بالحبس يا سيد الملا
وقد صار لي بالحبس سبع أعوام.
إلى أن تشفع له أبو زيد لدى السلطان، وساعدته نساء بني هلال في الإفراج عنه.
وهكذا أفرج عنه السلطان في موكب مهين لفارس كدياب، وهدده بإعادته إلى السجن مرات على مشهد من أولاد الإمارة والنساء الهلاليات. - ويلكم بدياب! أمسكوه وإلى السجن ردوه.
هنا أخذ دياب يرتجف مظهرا الخوف الشديد، فسقط على الأرض مغشيا عليه كمن قارب الموت.
وهنا تدخل أبناء الإمارة متوسلين السلطان الإفراج عن دياب المحتضر الغائب عن وعيه لا يدري ما يقول، فأمر السلطان بإدخاله بدار الحريم عند أخته نوفلة التي هي زوجة السلطان.
هنا رفع الرجال دياب بكل تكريم إلى بيت أخته نوفلة، التي ما إن نظرته مسجى على هذا الحال المبين وهو محمول على أيدي الرجال، حتى أجهشت بالبكاء والنحيب وهي تمزق أستارها مولولة:
فما كان ظني يا دياب بن غانم
أراك محمولا على أيدي الرجال كميت!
وأسرعت فمددت أخاها دياب على فراش من ريش النعام، وهو ينتفض ويرتعش، وبقي على هذه الحال ثلاثة أيام، لا يذوق طعاما أو ينطق بكلمة، مستجمعا قواه متحينا منتصف الليل للانتقام الدامي الفاجع لما حل به وانتهى إليه أمره.
إلى أن حانت فرصته فتسلل ليلا تحت أستاره وملابس سجنه إلى مخدع السلطان حسن الهلالي وهو غارق يغط في نومه، واستل شفرة كان يخبئها في حرص إلى أن تحين فرصته تلك بالانتقام الأسود من عدوه اللدود السلطان حسن.
فانطرح على السلطان حسن تحت جنح الظلام وذبحه من الوريد إلى الوريد في صمت كتوم، ومضى متسللا في جنح الظلام إلى أن وصل إلى قومه وعشائره ففرحوا به كثيرا.
إلى أن حكى لهم ما جرى لحين اغتياله لسلطان الهلالية حسن بن سرحان، فتزايد حزنهم وأساهم وقالوا: أصبحنا عبرة عند العرب، فسوف يصير بنا كما صار مع جساس بن مرة حين اغتال الأمير كليب ملك العرب.
وقرروا من فورهم هدم المضارب والرحيل الجماعي بمضاربهم وأغراضهم تحت جنح الظلام هربا من انتقام الهلالية، وقبل أن تلحقهم جيوشهم الزاحفة المعبأة بكل انتقام أسود.
فهدموا الأطناب وأودعوها ظهور الجمال وأركبوا النساء والأطفال وجدوا السير يقطعون الروابي والبطاح باتجاه السودان والحبشة.
وما إن عم وانتشر خبر اغتيال دياب للسلطان حسن بن سرحان الهلالي، حتى عمت أحزان القيسيين والعامريين - الفلسطينيين - حتى إذا ما وصل الخبر مسامع أبي زيد شق ثيابه، وألقى بشاله ونتف لحيته وأهال التراب مع النساء على رأسه، وبكته أخته الجازية:
عمود ركبتي قد هبط يا نكبتي
طول المدى ما أنظر الأفراح.
ورثاه أبو زيد:
يا مشبع الجوعان معزي الحزين
يا سيد المكروب يا مولى العرب.
وما إن انتهت مراسيم دفن سلطان الهلالية ابن سرحان بنحر الذبائح، حتى تعاهدوا بصيوان الأمير أبي زيد الهلالي بالثأر، فدقت طبول الحرب الانتقامية وساروا حتى دخلوا قصر دياب بتونس، وسرعان ما علموا بفرار دياب وقومه إلى بلاد الأحباش فتعقبه القيسيون، ونصب أبو زيد الهلالي سلطانا لتونس والمغارب.
أما دياب بن غانم فقد واصل فراره وزحفه هو ومن بقي معه من فلول أمراء وفرسان بني زغبة، بعدما كان السلطان حسن قد دبر مكيدة اغتيالهم خلال تلك المأدبة المسمومة التي انتهت بأسر دياب.
وعبر الطريق إلى السودان وأواسط أفريقيا حاول دياب مواصلة جمع شمل بقايا تحالف عرب الجنوب القحطانيين وتبرير فعلته الشنيعة لهم باغتيال السلطان حسن الهلالي في فراشه.
إلى أن حط دياب رحاله بقومه في الحبشة والسودان، مواصلا فتوحاته بحد السيف لتأمين منفاه الجديد، تحسبا لمطاردات العرب النجديين له أينما كان.