تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما إن استقر حكم دياب للحبشة والسودان والغرب الأفريقي، حتى بدأ مراسلاته مع أبي زيد طلبا للصفح وإعادة تجميع شمل الهلالية تحت مظلة أبي زيد وحكمته، وعفا الله عما سلف، إلى أن نجح في استمالة قلب رفيق صباه أبي زيد، الذي راسله بدوره طالبا عودته.

وهكذا ودع دياب بن غانم حلفاءه الأفارقة متجها عائدا إلى شمال أفريقيا بقومه بني زغبة، إلى أن لاقاه أبو زيد ونحر الذبائح وعاد إليهما صفوهما، فكانا يسهران ويسافران إلى نجد ويخرجان للصيد واللهو معا.

ودياب لا يكف عن المطالبة بإعادة نصيبه في حكم المغرب العربي دون أن يعطيه أبو زيد جوابا شافيا.

وهكذا حقد عليه دياب محادثا نفسه: خلصنا من واحد وبقي الآخر!

إلى أن حانت فرصة دياب بخروجه مع أبي زيد للتريض وللصيد والقنص، وحين تفرقت الفرسان لازم دياب أبا زيد وهو يلعب على ابنة فرسه الشهباء بالرمح والدبوس، إلى أن باغت دياب أبا زيد وسحب دبوسه المخفي وضربه خلف رأسه بسهمه فنفذ من جبهته، فوقع أبو زيد على الأرض متخبطا في دمه كالأعمى.

وأخذت الشفقة دياب فوقع إلى جانبه يبكيه راثيا مهيلا التراب الذي رشف دمه لاطما خديه في حسرة، إلى أن تخلى عنه دياب مضرجا بدم أبي زيد بنفس ما فعل جساس بن مرة عقب اغتياله لكليب.

ثم سار دياب كالمذهول بين قومه إلى أن دخل تونس ودخل «سراية الأحكام» ونادى باسمه، بل تجاسر معلنا قتله لأبي زيد الهلالي، وأنه الحاكم الوريث لتونس والمغارب.

وبكت النساء الهلاليات ورجالها أبا زيد وكثرت فيه المراثي، فأنشدته الجازية عقب دفنه إلى جوار أخيها السلطان حسن:

حوى حكمة لقمان وجود حاتم

وصبر أيوب وكل صفات.

أما دياب فقد جلس من جديد على عرش الزناتة وجاءه الملوك والأمراء والحكام طائعين.

بينما فرت الجازية بأبناء الشهداء وفرسان الهلالية وبني دريد وبني الزحلان ليلا، تمهيدا لتحين الأخذ بالثأر الذي دارت عجلته الدامية على رءوس الهلاليين.

وتكدر دياب بن غانم حين لم يلحقهم فرسانه الذين أرسلهم في أعقابهم وعادوا دون أثر.

إلا أن عين دياب لم تغفل عن الجازية ودورها التحريضي في رعاية أبناء شهداء بني هلال الذين أودى بهم دياب، خاصة السلطان حسن وأبا زيد الهلالي.

وهو بالطبع ما اضطلعت به الجازية في حمايتهم وتربيتهم على الأخذ بثأر آبائهم، مثل إيزيس حين خبأت ابنها حورس المنتقم لأبيه في أحراش الدلتا.

بل هي أولت رعايتها الكبرى هنا للأمير بريقع ابن أخيها الأكبر السلطان حسن مع أبناء أبي زيد.

ولقد حاول دياب مد أياديه الطولى لاغتيال «جيل اليتامى» هذا بالحيلة والمكيدة، وكان ذلك ذات عيد أولم فيه دياب وليمة كبرى وجمعهم وأعمل سيوف فرسانه فيهم، إلا أن «بريقع» نجا بفرسانه من تلك الوليمة المسمومة.

فبعث إليه خاله دياب يتهدده بالحرب والقتال، حتى إذا ما وقعت تلك الحرب الانتقامية قتل دياب فيها الأميرة الجازية.

إلا أن بريقع ابن السلطان حسن استجمع من جديد قواته انتقاما لمقتل عمته القائدة الجازية، ونازل دياب الذي سخر منه في البداية قائلا: مرادي أن أقاتلك بلا درع، وعلى كديشة بدلا من الخضرا!

وهكذا أصر دياب على منازلة بريقع بلا درع وليس معه سوى السيف والترس، مما أغضب بريقع الذي صمد له طويلا إلى أن تمكن منه بطعنة نجلاء، فسقط يتنهد ألما من هول جراحه منشدا:

مقالات الزغبي دياب بن غانم

أيا موت قد زرتنا ثم دنوت.

وبموت دياب بن غانم فارس تحالف عرب الجنوب اليمنيين، جدت أحداث وحروب بين أبناء الجيل الماضي، ولعبت عزيزة دورا مرموقا في احتضان أبناء الشهداء وتربيتهم على الخير والسلم.

لندن، شوقي عبد الحكيم

عزيزة ويونس · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عزيزة ويونسص ٦١