تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنا كنت أسعد الناس جميعها

شبه القمر إن بان تحت غمام

فلما أتى أبو زيد للمغرب رادها

ومعه إمارة خيرين كرام

جاءوا إلى سلطان قابس في الضحى

وأبو زيد من سهر الليالي نام

أتوهم عبيد السوء وقفوا حولهم

وهم ساحبين خناجر وحسام

شدوا أياديهم كتافا إلى ورا

أخذوا صوارمهم مع الأغنام

ولما عرضوهم للزناتي خليفة

ملك ملوك الأرض كالضرغام.

وتمضي مرثية سعدى مصورة كيفية عشقها لمرعي، وكيف أن هذا العشق أذلها، وها هي تلقى مصيرها المحتوم بالموت على هذا النحو المفجع.

ومرة أخرى دبت الخلافات والأحقاد بين أقطاب التحالف الهلالي وأبي زيد والسلطان حسن الذي اشتعلت نيران قلبه نتيجة لما فعله دياب لسعدى حبيبة ابنه الجريح المسجى مرعي، حيث لم يرع له اعتبارا وهو سلطان الهلاليين أبا عن جد.

أما دياب فقد طغى في الحكم الذي توصل إليه في آخر عمره، فامتلأ قلبه بالبغضاء والقسوة.

بل هو من جانب آخر قرب إليه بني زغبة - أو الزغابة - اليمنيين وعرب الجنوب، وأغدق عليهم المناصب والثراء والسلطات، مما فجر الخلافات والأحقاد بينه وبين السلطان حسن بن سرحان وأبي زيد الهلالي إلى حد التهديد بالحرب السجال، التي سرعان ما اندلعت بالفعل، وامتدت رحاها لسنوات على طول تونس والمغرب والأندلس.

إلا أن أبا زيد الهلالي بصائب بصيرته وبفكره المعادي للانقسامات تمكن من عقد الهدنة بين السلطان حسن ودياب بن غانم، التي أعقبها عقد الصلح بينهما في «القيروان».

لكن ظل دياب على عهده وما طبع عليه من الغل والتآمر ضد سلطان الهلالية وتجاوز سلطاته، إلى حد إعادة التحالفات المقوضة لكلمته العليا بين قبائل وكيانات المغرب العربي.

مما أوغر قلب السلطان حسن ضده ودفع به إلى اللجوء إلى المكيدة والحيلة للإيقاع به عن طريق خدعة «المأدبة المسمومة»، حين استدعاه ومعه عيون وفرسان بني زغبة.

وكان دياب مرتديا جبة من الحرير الأخضر وشالحا على كتفيه عباءة حمراء اللون، وعلى رأسه عمامة من البرفيل والأرجوان. وحين دخلوا على السلطان حسن رحب بهم بالغ الترحيب، وجلس دياب على كرسي من العاج كأنه الذهب الوهاج ومن حوله قومه.

وبعد ترحيب السلطان بدياب وقومه، وكذلك ترحيب زوجته الأميرة نوفلة بأخيها، صفق السلطان فدارت القهوة العربية والشراب والكأس، وأحضر مائدة من الطعام مصحوبة بألف فارس ضرغام. أجلسوا على المائدة، وحين مدوا أياديهم كانت المناسف مغطاة، فرفع دياب الغطاء عن المنسف ووجده فارغا من الطعام، وفيه قيود من الحديد، فقال الأمير دياب: ما هذا يا حسن؟

فردد الجميع: الواجب أن تتقيدوا إلى السلطان بالطاعة ولو ساعة.

فعندها وضع دياب القيد برجليه، وفعلت باقي الإمارة كفعله.

وبينما هم كذلك، اندفعت فرسان «بني حديد» إلى داخل المكان وبأيديهم الخناجر والسيوف.

فصار دياب كالملهوف بعد أن تبين خدعة المائدة المسمومة أو المائدة الفخ.

وأمر السلطان حسن الهلالي بنصب المشانق، فذبحوا ستين أميرا من بني اليمنيين، والبقية أمر بشنقهم.

أما الأمير غانم والد دياب فكاد أن يلفظ أنفاسه من هول ما يقع.

وأمر السلطان بإبقاء دياب ووالده غانم في الأسر، طالما أنهما مأسوران بلا سلاح.

ولما وصل الخبر إلى أبي زيد في الأندلس، شد من فوره الرحال إلى السلطان حسن، فسلم عليه ورحب به غاية الترحيب، ثم سأله أبو زيد عما فعل، فقال السلطان حسن: ما عملت مع دياب إلا سجنه، فإن كنت قتلت أولاد عمه وإخوته، فإنه سبق أن قتل أخي وخطيبة مرعي الأميرة سعدى، وجرح قلبي عليهما، فقابلته بمثل ما قابلني، وجرحت قلبه عليهم .

ثم إن السلطان بعث بألف فارس إلى تونس وأمرهم أن يحضروا له خزائن تونس، وسلاح دياب، وأثاث بيته، وكل ما في قصور الزناتي يحضروه، فحالا ذهبوا وأحضروا ما أمرهم به السلطان حسن الهلالي.

عزيزة ويونس · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عزيزة ويونسص ٥٩