وأردف أبو زيد مبلغا عزيزة في حسرة آخر الأنباء حول كيفية سير المعارك، وكيف أقدم العلام بن هضيبة على اغتيال ابنه وحدقة عينه المقرب من قلبه «صبرة»، متنهدا: القلب تحمل الكثير يا عزيزة يا ابنتي.
وودع أبو زيد عزيزة مؤمنا بنفسه كوكبة فرسان لحراستها ومرافقتها إلى الأندلس لإتمام مراسيم عرسها إلى يونس، الذي خلفه أبو زيد مكانه، مجددا وعده له بخلاص سعدى من أسر دياب مهما كلف الأمر.
إلا أن عزيزة تشددت وهي تفيض له بهواجسها عن مصير سعدى الذي أصبح غامضا مبهما. - لعلها الآن قتيلة عارية! وسعدى تنهشها جوارح الطير إلى جانب جثة والدها الزناتي! من يدري؟!
ومرة أخرى هدأ أبو زيد من انفعالاتها على صديقة صباها مودعا موكبها بنفسه، معاودا تفاؤله الدائم الذي لم يكن ليغيب عنه في أحلك المواقف وهو يمازحها مذكرا بعرسها وزفافها على الأمير الحاكم يونس، هنا غمغمت عزيزة مغالبة دموعها: أي عرس هذا؟
حتى إذا ما حان أوان رحيل السلطان حسن وأبي زيد إلى حيث مقر دياب بقرطاج، ساروا حتى دخلوا إلى تونس الغرب، فلما نظرهما دياب - أي السلطان حسن وأبي زيد - نزل فلاقاهما بالترحيب والإكرام، وأدخلهما إلى القصر وذبح الذبائح، فأقاما بضيافته ثلاثة أيام ، وفي اليوم الرابع قال لهما دياب: شرفتموني بنزولكما منازلكم، وكان من الواجب أن أرحل أنا إليكما لأقدم الواجب علي.
وعلى الفور قاطعه السلطان وأبو زيد طارحين مهمتهما بالمجيء إليه، وهي الرجاء بفك أسر سعدى لأنها زوجة مرعي الجريح، وأنشده السلطان حسن قائلا:
مقالات حسن الهلالي أبو علي
ولي قلب من جور الزمان كواه
يا دياب الخيل اسمع مقالتي
وأصغ لقولي وافهم المعناه
سعدى أصبحت عندك وديعة بينما
يروق منا البال نقيم هناه
سعدى مرادي آخذها لضعونا
أزوجها أنا مرعي بأحسن جاه
وهي يتيمة يا دياب بن غانم
أبوها قتلته أنت بوسط فلاة.
وما إن فرغ السلطان من إنشاده حتى انفجر دياب بن غانم محتدا غاضبا من هول وغرابة ذلك الاهتمام الكبير من جانب سلطان الهلاليين وفارسها الأول بمجرد فتاة خانت والدها، ومن خان والده خان قبائله ووطنه، ومن هنا فلا خير فيها سوى القتل المحقق.
ومن الجانب الآخر استمر غضب السلطان حسن وأبي زيد من منطق دياب لفتاة هي في موقع خطيبة إن لم تكن زوجة ابنه مرعي الجريح، قائلا في سماحة ورجاء: فأنت خاله قبل أن أكون أنا والده.
إلا أن دياب المتجبر الحاقد أصر على منطقه بأن سعدى التي خانت أباها لا خير يرجى فيها، ومن ثم يحق قتلها.
وحسما للنزاع اقترح أبو زيد واقعة - أو لعبة - فروسية غربية قديمة، حيث توضع فيها سعدى في مكان بعيد في آخر الميدان المتصدر لقصر أبيها الزناتي - الذي استولى عليه دياب - ثم يركبون ثلاثتهم خيولهم في أول الميدان قبل أن يطلقوا الأعنة، ومن يصل إلى حيث سعدى أولا تكون ملكه ويأخذها حليلة.
وما إن وافقوا ثلاثتهم حتى اتفقوا على اليوم التالي مع مطلع النهار، ثم أحضروا سعدى إلى الميدان وأوقفوها في آخره.
وما إن أعطيت شارة البدء حتى خرجوا وكأنهم نشاب، وكان دياب راكبا الشهباء ابنة الخضراء وكانت أمهر من أمها، فاندفعت إلى المقدمة وأبو زيد في أعقابه، وكانت المسافة مقدار ساعة، وما إن وصل دياب إلى حيث تقف سعدى حتى بادرته سعدى بما سبق أن أخبرها به أبو زيد: أنا أختك يا دياب.
وهنا تزايد حنق دياب بن غانم من مضمون كلامها، فشهر من فوره حسامه وجرحها جرحا بليغا أوداها طريحة.
فتهاوت سعدى تهذي بمأساتها عن آخرها وما حدث لها مع الهلالية وعشقها لمرعي الذي أضناها، وهي تلفظ كمثل فرسه أنفاسها الأخيرة.
حتى إذا ما وصل إليها أبو زيد الهلالي وفي أعقابه السلطان حسن الهلالي، ترجل أبو زيد عن حصانه وجرى إليها فأخذها بين ذراعيه محتضنا، وهي تنشد بصوت متحشرج حبيس آخر مراثيها تنعي عشقها الدفين لمرعي الذي أذلها إلى حد الموت: