ذلك على الرغم من تلك المرارة والأحزان التي أصبح يعانيهما، نظرا لجراح شقيقه مرعي وحنينه الجارف لعزيزة.
في هذا الوقت استمرت حملات دياب وأبي زيد عقب كارثة استشهاد ولديهما الأميرين الشابين موسى بن دياب ثم صبرة بن أبي زيد، الذي اتهم العلام بن هضيبة باغتياله.
وردا على ذلك قتل الهلاليون بدورهم العلام انتقاما لصبرة بن أبي زيد، ولنكصه - أي العلام - لعهوده الأخيرة معهم.
وهكذا أرسل أبو زيد الهلالي يخبر السلطان حسن بن سرحان باتفاقه مع دياب على إعادة تقسيم البلاد المفتوحة ذاكرا:
ملكنا من نجد إلى قاع تونس
بطعن يورث العدا عطيبها.
كان أبو زيد ينتظر عقد ذلك الاجتماع المرتقب على أحر من الجمر لفك أسر سعدى بنة الزناتي التي ساعدت وأعطت الهلاليين الكثير، ولم تحصد سوى الحسرة والمهانة.
فسعدى كانت على الدوام تدمي مأساتها بسجن دياب مشاعر أبي زيد، وتجعله يشعر بالحزن والأسى، خاصة تلك الليلة التي زار فيها أبو زيد الهلالي مرعي عقب إصابته بالقيروان، فسأله متلهفا عنها بصوت خفيض وهو جريح ينزف: كيف حال سعدى؟ - بخير يا مرعي، في عيون الوالد والجازية والأهل.
وتنهد أبو زيد متكتما أخبارها الدامية عنه وهو لا يعرف كيف يخفي كذبه عنه، بينما أغمض مرعي عينيه على صورتها مستريحا متنهدا، معانيا من جراحه البليغة. - كان الله معك يا سعدى!
أما يونس فقد فاتحه أبو زيد بإسهاب حول كل ما حدث من جبر وتجاوزات دياب بن غانم مع سعدى، وكيف أنها أصبحت مهانة ذليلة بقصر والدها الزناتي الذي اعتلاه دياب عشية قتله، مستبيحا كل شيء وخاصة بالطبع ابنته تلك الصغيرة التي تشع إخلاصا، والتي أصبحت ترسف في أغلاله داخل زنزاناته ليل نهار منذ انتصار دياب على أبيها وقتله وترك جثته بالعراء تنهشها جوارح الطير.
وعندما سأله يونس ملتاعا مفزوعا عما يسمع عن سعدى العفيفة العطوف التي أبلت الكثير حفاظا عليهم، وكيف يحدث لها كل هذا وشقيقه الأصغر مرعي حبيبها طريح أقرب إلى الموت؛ طمأنه أبو زيد. وهنا لم يتمالك يونس عن السؤال الملح عن حبيبته وخطيبته عزيزة، وهو يعني بذلك كيفية تصرفها حيال صديقة صباها سعدى وما لحق بها من أهوال جسام، وأخبره أبو زيد مطمئنا مقترحا التعجيل بإرسال الأميرة عزيزة إليه هنا بالأندلس مكرمة كزوجة وحليلة، حتى يهنأ يونس بالا بقربها.
| العزيزة ترعى أبناء الشهداء
وأخلف أبو زيد مكانه في حكم ولايات الأندلس ودويلاتها، لحين انتهائه من مهام الاجتماع بدياب مع والده السلطان بقرطاج قبل العودة إليه مجددا.
حتى إذا ما عاد أبو زيد إلى القيروان اجتمع من فوره بالسلطان حسن تمهيدا للمسير إلى دياب، ثم اختلى بعزيزة ناقلا إليها رغبة يونس برحيلها إليه ففرحت من فورها.
إلا أن عزيزة عادت منفعلة مكفهرة متسائلة عن مصير صديقتها سعدى وما حل بها من كوارث دياب، وكيفية إنقاذها ولو لتطبيب مرعي الجريح النازف بالقيروان.
وطمأنها أبو زيد مفضيا إليها أنه إنما جاء من أجل هذا الغرض الذي أصبح لا يذيقه النوم كلما قرأ بكائيات سعدى الذاتية وخطاباتها التي تنزف مرارة، وهي ترسف في أغلالها بسجن ذلك المتجبر دياب بن غانم.
وأطلعت عزيزة أبا زيد بدورها على كتابات سعدى لها غاضبة متسائلة، وهي تشق إزارها من أعلاه إلى أسفله ثورة وكمدا: أتلك نهاية المطاف؟! على هذا النحو تعامل الأميرة سعدى، وبعد كل تضحياتها للهلاليين وفرسانهم؟!
قاربت عزيزة أبا زيد الهلالي ناشبة أظافرها في ثيابه: جثة الزناتي عارية فوق أعلى تلال تونس، تنهشها جوارح الطير!
وتابعت محتدة: وابنته سعدى تطحن ملح دياب بن غانم وترعى نوقه، ويسومها عبيده العذاب ليل نهار؟!
صرخت عزيزة في وجه أبي زيد: أما من خلاص؟
فغمغم أبو زيد بدوره زافرا في أسى مكملا: لدى انتهاء سيول الدم العربي النازف.