تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل هو كلما تلصص عليها ليلا وسمعها تهجوه بأعنف الشعر زاد عليها العذاب والتنكيل، إلى أن كان يوم ضاعف فيه من عذابات سعدى حين تمكن عيونه وحراسه من كشف رسالة أو قصيدة دامية تشرح فيها كارثتها في سجن دياب بن غانم، وكانت تنوي تهريبها للسلطان حسن وأبي زيد:

تقول فتاة الحي التي خاب ظنها

سعدى التي خانت أبيها وراح

أيا غاديا مني على متن ضامر

إذا مشى يسبق هبوب رياح

فحين وصولك للهلالي قل له

يا كامل المعروف والإصلاح

نسيت الصغيرة يا هلالي أبو علي

ومعكم - كما ترى - ما فعلت قباح

ألا فاذكروا يوما أتونا أولادكم

إلى الغرب رادوها بأبي فلاح

أراد الزناتي أن يقطع رءوسهم

يريد يخطف منهم الأرواح

تشفعت فيهم ثم راحوا نعمة

ولولا كانوا فدوا شراح

واليوم قال دياب أخدك خليلة

فأبيت أمره يا حسن وقباح

فأخذني دياب وجعلني في مذلة

تضربني عبيده في مسا وصباح

أحمل على ظهري الحطب

أحمل جرار الماء بالأتراح

واليوم أعصم حالتي ابن غانم

يعاملني بالشر كل صباح

رميتوني يا بن سرحان يا أبو علي

كيف تجازون المليح قباح؟!

تقول فتاة الحي سعدى التي شكت

وفي القلب نيران وهب رياح.

ورغم وصول هذه الرسالة القصيدة المهربة إلى يد دياب بن غانم الذي استشاط غضبا وحقدا على سعدى، فإنها تمكنت من إيصال رسائلها وشكواها الملتهبة إلى يد السلطان حسن بن سرحان بمقره قرب القيروان.

وأدمت رسائل سعدى المهربة التي تفيض عذابا السلطان حسن، وهي خطيبة ابنه الحبيب مرعي الذي حارب ببسالة ليعود فائزا بزواجها.

كما بكتها عزيزة كثيرا وكذلك الجازية وأبو زيد، الذي عرف عن قرب مدى أصالتها وعنائها في الحفاظ على أرواحهم بسجون تونس.

فقرر السلطان حسن وأبو زيد الركوب إلى دياب رغم مشقة مهامهما، ورغم إخفاء ما يحدث لها عن حبيبها مرعي، ولو استدعى الأمر تجدد الصراع مع دياب من أجل الأميرة سعدى بنة الزناتي.

لكن ما إن اجتمعا بدياب وفاتحاه في موضوع سعدى وتعذيبها وكيف أنها خطيبة مرعي الذي يحارب ببسالة إلى حد إصابته بجرح بليغ، حيث أرسل وهو طريد خطابا لا يسأل فيه سوى عن سعدى وأحوالها؛ حتى ركب دياب رأسه رافضا في إصرار مغيرا الموضوع إلى ما استجد من كوارث وصلته في التو حول استشهاد ابنه الحبيب «موسى» الذي يتسمى باسمه مع ابن أبي زيد «صبرة»، حيث قتل العلام موسى بن دياب انتقاما للزناتي، وقتل الملك الناحر - شقيق الزناتي - صبرة بن أبي زيد.

وهكذا توارت مأساة سعدى أمام ما استجد من كوارث أهاجت أحزان كل من أبي زيد ودياب، بل والسلطان الذي أصيب ابنه مرعي بجرح بالغ.

واتفق ثلاثتهم على خروج دياب وأبي زيد بقواتهما للحرب ومساندة يونس الذي أصبح في وضع المستنجد بهما وهو على تخوم الأندلس.

وما إن دخلا المغرب من بوابته حتى ظهر دياب بن غانم كالمجنون الذي لا يقف عند حد انتقاما لابنه موسى، فقتل الأمير وائل واعتلى عرشه مواصلا تقدمه بافتتاح سبع قلاع حصينة.

أما أبو زيد فأعاد افتتاح القيروان عابرا جبل طارق وصولا إلى الأندلس حيث لحق بيونس، مواصلا فتوحاته على طول دويلاتها الواحدة بعد الأخرى دون صعوبات تذكر.

واجتمع أبو زيد ودياب بن غانم في بلدة تدعوها السيرة ب «عين تولوز» يرجح أنها في جنوب فرنسا، واتفقا على ضرورة العودة إلى تونس للاجتماع بالسلطان حسن وإعادة تقسيم المغرب من جديد، على أن يحتفظ دياب بن غانم بحكم تونس - قرطاج - تعويضا عن مقتل فرسته الخضراء.

ومرة أخرى تجددت وتزايدت إلى حد المأساة كارثة سعدى بنة الزناتي في سبيها ومحنتها وأصفادها.

بينما أخفى الجميع عن حبيبها الجريح مرعي ما أصبحت تعانيه، كما أخفوا الشيء ذاته عن صديقة عمرها عزيزة.

تبدت بطولة الأمير يونس - عقب فك أسره - في تلك الحملات التي قادها لفتح الطريق وتأمينه أمام الهلالية بدءا من قرطاج تونس مرورا بالقيروان والمغرب العربي والجزائر عبورا إلى شبه جزيرة إيبريا أو الأندلس.

عزيزة ويونس · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عزيزة ويونسص ٥٦