تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلقد نجح دياب بن غانم خلال فترة حراسته للبوش والمؤخرة في الاحتفاظ بأغلبية قواته دون أية خسائر تذكر، في ذات الوقت الذي تحمل النجديون الخسائر المهلكة التي أوقعها بهم الزناتي وعرب المغرب.

ومما زاد الأمر سوءا أن العلام بن هضيبة تمكن من الإفلات من العقاب والفرار هو وقومه باتجاه المغرب العربي والأندلس، مثيرا الفتن في كل مكان ضد عرب المشرق للأخذ بثأر خاله الزناتي، مجمعا فلول القوات المغربية بالقيروان لاستئناف القتال واسترداد العاصمة قرطاج، فاجتمعوا إلى ملكهم المسمى بالملك «الناحر» شقيق الزناتي خليفة، الذي أرسل للعلام في الأندلس معلنا تأهبه للحرب والنزال.

وكان يونس من أكثر المتابعين لتحركات العلام الخفية وتفهما لمدى أخطاره المهددة، التي أصبحت تنبئ بها الأيام الحبالى بالثأر وتجدد القتال بين الهلاليين وعرب المغرب.

بل إن يونس ومرعي استطاعا تجميع فلول القوات الهلالية، تأهبا لملاحقة العلام أينما كان قبل تفاقم دوره وقواته.

وودع كل منهما حبيبته أحر الوداع، يونس لعزيزة ومرعي لسعدى، تأهبا للخروج بفرسانهما لمطاردة العلام وفلوله على طول المغرب العربي حتى الأندلس.

وبعد رحيل يونس لأداء واجبه انخرطت عزيزة في صفوف المشرفين على رعاية تضميد جراح المصابين من الحرب، سواء كانوا تونسيين أو هلاليين.

بينما استجابت سعدى لرغبة الزناتي الجديد دياب بن غانم في البقاء مكرمة داخل حريمه، انتظارا لعودة حبيبها مرعي، مجللة بالأحزان لمصرع والدها الزناتي على ذلك النحو الفاجع، وحتى تتمكن سعدى من استرداد ما يمكن استرداده من ممتلكاتها الشخصية وأغراضها من براثن قاتل والدها الزناتي الجديد دياب بن غانم، وهي التي كرهت من كل قلبها مجرد سماع اسمه أو صوته المترامي إليها من قاعة عرش «الزناتة» الذي اعتلاه ذلك الجلف المتكبر.

وراحت سعدى تجاهد في كبح جماح دموعها التي كانت تخونها فتذرفها مدرارا على ما انتهى إليه حالها، بافتقاد الأب خليفة الزناتي والحبيب مرعي الغائب عن عينيها، وهي في أحرج وأشق ما مرت بها من أيام عصيبة، أي أن ترى نفسها غريبة أقرب إلى الأسيرة التي سبيت داخل جنبات وردهات هذا القصر الشاهق الأصم الذي تربت وشبت بين جنباته وتنفست هواءه.

حتى إذا ما جاءت الطوبة في المعطوبة كما يقولون وصادفها الزناتي الجديد دياب بن غانم الذي اتشح بأوشحة والدها وتاجه المتوارث منذ مهران خليفة، شاهدها تبكي وتنوح وتعدد لنفسها إلى جانب أحد عمدان القصر بلا صوت كمثل امرأة مخبولة؛ حتى توقف من فوره منبهرا مأخوذا من جمالها المأساوي والأثر الذي نفذ في أعماق قلبه كالسهام. - الأميرة سعدى؟

قاربها محاولا مساندتها أخذا بيدها باتجاه جناحه سائلا في تحرش: أما زلت تبكين الوالد؟ - أبكي غياب مرعي.

فقام يحاول سحبها مجددا باتجاه جناحه. - ادخلي يا أميرة.

توقفت سعدى وهي تبعده عنها رافضة الدخول منتصبة في مواجهته بنظرة أقرب إلى التحدي: ابعد!

هاجمها دياب أكثر مستعيدا تجبره: كيف أبعد عن كل هذا الجمال يا أميرة سعدى؟! أنت حليلتي. - أنا حليلة الأمير مرعي.

انفجر دياب ضاحكا مقهقها بأقصى قوة مواصلا محاولة استمالتها إلى أن انفلتت منه منشدة:

إن أخذتني يا أمير نواظري

فإني أعجل لروحي بشنق حبال

ولا الناس يقولوا أخذت عدوها

ولا أنك لي يا دياب رجال

ولا أريد الزغبي دياب بن غانم

ولا مقطع فوق رءوس الجبال.

وكان أن غضب عليها دياب منسحبا هائجا مصدرا تعليماته لمرءوسيه بأن يجلدوها عارية مع حبس بالأشغال الشاقة، التي تقضي بطحن الغلة والملح تحت ثياب الخيش عشرة أيام داخل المطامير الملحقة بسجن أبيها الزناتي.

ورفض دياب بن غانم كل المحاولات المضنية التي بذلتها الأميرة عزيزة صديقة صباها مستعينة بالسلطان حسن والجازية ونوفلة بنة دياب ذاته دون جدوى ترجى.

عزيزة ويونس · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عزيزة ويونسص ٥٥