وحدثت معركة على بوابات قصر دياب بين حرسه وفرسان السلطان حسن وأبي زيد ، استطاع أبو زيد بحكمته حصرها دون أية ذيول إلى حد تفاقم الخلافات من جديد بين أجنحة الهلالية المختلفة.
لكن ما إن دخل السلطان حسن بن سرحان - ومعه أبو زيد - مقبلا على دياب، حتى هب الأخير من فوره عن عرشه الجديد عرش الزناتي سابقا لاستقبالهما، وحوله أكابر وأمراء بني زغبة والخدم والعبيد بين يديه والتاج على رأسه.
وهنا لم يتمالك سلطان بني هلال غضبه وهو يشهد دياب على هذا النحو، حتى هجم عليه كمثل جمل هائج انفك من عقاله، مشهرا سيفه ليهوي به على رأس دياب بن غانم.
| أسر دياب لسعدى ومأساتها
ما إن استل السلطان حسن بن سرحان سيفه من غمده ليهوي به على رأس دياب بن غانم المتربع على عرش الزناتي، حتى ارتفعت ذراع أبي زيد الهلالي عالية قابضة على يد السلطان الهلالي، مانعة إياه في حزم من تنفيذ ما أزمع عليه في سورة غضبه.
إلا أن السلطان حسن واصل اندفاعه وتحرشه بدياب متشبعا ما أقدم عليه من انفراد بسلطة حكم تونس، وكأنه يعزله عن قيادته المتوارثة عن أجداده في حكم الهلالية، صائحا بصوت جريح: تريدني الانحناء يا دياب تحت حرابك؟!
وتدخل أبو زيد وبقية الفرسان لكبح غضب السلطان حسن، وعدم التقليل من مآثر دياب بقتله الزناتي وفتح أبواب تونس التي أوصدت طويلا في وجه الهلاليين نتيجة لإبعاده عن المقدمة والقيادة وحراسة الإمدادات والبوش إلى أن استغاثت النساء الهلاليات الثكلى به، حين بعثن إليه في وادي الغباين ببراقعهن، فاستجاب دياب عائدا لنصرة الهلالية كما يتضح من شعر أبي زيد الهلالي:
جانا على خضرا جندل عدانا
وأخذ بثأرنا في ماضيات الطرايش.
وما إن هدأ خاطر الجميع واجتمع شمل قادة الهلالية مجددا، حتى قرروا تقسيم حكم تونس وتخومها وقلاعها المترامية حتى الأندلس فيما بينهم، وعلى الفور اندفع دياب بن غانم يساومهم على قتل فرسته الخضراء، التي تمكن منها الزناتي خليفة قبل أن يوقع به دياب بإنفاذ رمحه بين عينيه وقطع رأسه.
فالخضراء فرسة دياب بن غانم التي صانها طول عمره، توازي حياته ذاتها، وهو الذي أشار بدفنه هو ذاته معها حين ينتهي أجله في قبر واحد:
إن أماتني الله ادفنوني جنبها
وسط روضة موضع دفنتونها
عسى نلتقي يوم القيامة جمعنا
وأقبل الخضرا وأمسح عيونها.
وهكذا انفرد دياب بن غانم بالاستيلاء على حكم تونس - قرطاج - تعويضا عن فرسته الخضراء، ثم اقتسم ثلاثتهم السلطان حسن وأبو زيد ودياب حكم المغرب العربي ومن ضمنه الأندلس التي كانت من نصيب أبي زيد الهلالي.
لكن تقسيم تونس وتوابعها وقلاعها بين أقطاب التحالف الهلالي الذي فاز فيه دياب بنصيب الأسد، لم يعجل بإنهاء كل المشاكل المتراكمة والتي استجدت عقب فتح تونس وقلاعها والتي تضم الأندلس أيضا، فلقد ظهرت خلال ذلك الاجتماع الثلاثي الذي عقد داخل قصر عرش الزناتي الذي اعتلاه دياب بن غانم من فوره، وكما لو أنه حق شرعي له لمجرد إقدامه على منازلة الزناتي وقتله؛ أطماع دياب على الاستفراد في حكم تونس.
وضاعف من فداحة الأمر إقدام دياب على وضع حرابه لينحني تحتها سلطان بني هلال وفارسها حسن بن سرحان وأبو زيد الهلالي سلامة.
وظل السلطان حسن بن سرحان يردد لنفسه في غيظ كظيم: جاء اليوم الذي أصبحنا نحني فيه هاماتنا ورقابنا تحت حراب دياب بن غانم!
بل إن إصرار دياب بن غانم على التمادي في تجبره متشبثا بعدم التخلي عن عرش الزناتي تعويضا عن قتل فرسته الخضراء، أوغر صدر السلطان الهلالي ضده، إلى حد أصبح الاقتتال من جديد بين قطبي التحالف الهلالي من نجديين شماليين ويمنيين جنوبيين أمرا واردا.
واستطاع أبو زيد الهلالي بحنكته ومرونته تأجيل موعد ذلك الاقتتال الذي يخيم بظله الثقيل على الجميع، والذي قد ينشب بشكل رئيسي بين السلطان حسن ودياب بن غانم، خاصة وأن كفة القحطانيين اليمنيين سترجح إذا ما وقعت الواقعة.