وهنا تراجع فرسان تونس هاربين، فأطبق عليهم الهلاليون من كل جانب إلى أن تزاحموا على بوابات تونس ملقين بسلاحهم تحت أقدام دياب بن غانم طالبين الأمان والصفح.
وعم الذعر والفزع قرطاج لمقتل فارسها الزناتي، وانفتحت أبواب تونس على مصراعيها أمام تدفق أفواج الهلالية بسيوفهم وراياتهم وعتادهم وتهليلهم بالنصر والفتح.
وكان أول ما فعلوه هو الإسراع في البحث عن سجن أسراهم الفتيان الأمراء الثلاثة يونس ومرعي ويحيى، إلى أن وصلوا قصر العزيزة بنت معبد، فخرج الأمراء الأسرى الثلاثة لاستقبالهم وتعانق الجميع طويلا، وحملهم فرسان بني هلال وجماهيرهم على الأعناق.
إلا أن يونس أمسك بيد حبيبته عزيزة وهو يقدمها لجموع الهلاليين الذين رحبوا بها آخر الترحيب، وكذلك فعل مرعي مع حبيبته سعدى بنة الزناتي التي بدت كالمشدوهة على مصرع والدها.
وحين وصلوا إلى حيث مقر السلطان حسن الهلالي والجازية وأبي زيد تضاعف الترحيب بهم، وخاصة بالأميرة عزيزة التي احتضنها السلطان حسن مرحبا غير مشدق، منشدا للأميرة الباسلة التي حفظت أرواح أبنائه:
أنت شفوقة يا عزيزة عليهم
خلصتيهم يا بنتي من جميع الوهايم.
كما رحب السلطان الهلالي بسعدى مشددا العزاء لها في أبيها فارس تونس الزناتي.
وتعاهد الجميع على الزواج القريب وبدء صفحة جديدة قوامها الحب والسلام والوئام.
ووجدت سعدى في احتضان مرعي وحبه الجارف لها بعض العزاء في موت والدها الزناتي، الذي أشار الجميع بفضائله وفروسيته الفائقة حتى أمراء بني هلال ذاتهم، إلا أن سعدى الشاردة كانت دائمة التفكير في كيفية حصولها على جثمان أبيها خليفة الزناتي ومواراته الثرى، بدلا من طرحه في العراء لجوارح الطير كما أراد دياب.
أما دياب بن غانم فما إن استتب له الأمر في تملك تونس واعتلاء عرش الزناتي، حتى بعث في طلب مناديه المدعو خليل وأعطاه رمحه، وأمره أن ينصبه أمام مدخل عرشه، وينادي باسم الأمير دياب للدخول من تحته ومن لا يفعل يحق قتله.
ففعل المنادي كما أمره مولاه، قاطعا شوارع تونس وميادينها طولا وعرضا مناديا بعلو صوته.
وهكذا اعتلى دياب بن غانم عرش الخليفة الزناتي مرتديا تاجه المصنوع من قديم الزمان، والمتوارث منذ عصر مهران خليفة، والمرصع كله بالمرجان الأحمر والياقوت الأخضر والمنسوج بالدر والجوهر الذهب الأصفر.
واجتمعت من حوله قبائل بني زغبة صفوفا في صفوف مئات وألوف بعد أن تدانى الجميع في تبجيله، ثم أمر دياب أن تعلق رأس الزناتي على أعلى أسوار تونس، وحرم دفن جثمانه طارحا الجثة في العراء لتنهشها جوارح الطير.
وعندما علمت سعدى بتنكيل دياب بن غانم بجثة أبيها الزناتي على هذا النحو، اندفعت كالمجنونة إلى حيث عرش الزناتي الجديد «دياب» إلى أن دخلت عليه مرتعدة مطالبة بدفن جثمان أبيها.
وما إن شاهدها دياب حتى راقت في عيونه فقبل طلبها من فوره بتكريم جثمان الزناتي، ودفنه بين قبور شقيقي دياب الأميرين اللذين صرعهما الزناتي في غيبته بدر وزيدان.
بل إن دياب بهر من جمال سعدى وحسن شمائلها وأكرمها في افتقادها والدها مشددا العزاء، وأمر بإدخالها عند حريمه فأكرمنها غاية الإكرام.
أما السلطان حسن الهلالي وأبو زيد فما إن تناهى إلى أسماعهما ما أقدم عليه دياب وأعلنه مناديه على الملأ، بوضع رمحه على مدخل عرش الزناتي الذي اعتلاه معلنا: لا سلطان لتونس إلا دياب بن غانم؛ حتى استبد بهما الغضب، خاصة السلطان حسن الذي بدا كمن لا يصدق ما تسمعه أذناه.
وما إن استشار السلطان حسن أبا زيد حتى أشار بالتوجه إلى مقابلة دياب والانحناء تحت حرابه ولو تطلب الأمر ذلك.
لكن ما إن قاربا قصر دياب بركبيهما حتى وصل الغضب بالحارس المقرب من السلطان إلى حد دفع به إلى ضرب رمح دياب بسيفه فقسمه، فما كان من حراس دياب بن غانم إلا الهجوم عليه وقطع رأسه.