تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأخذ أبو خريبة عشرين ألف فارس «قروم عوابس»، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا إلى وادي الغباين، وكان ذلك خلال فترة غياب دياب للصيد والقنص، فأغاروا على الهلاليين وأنزلوا السيف فيهم فقامت الرعيان بالعويل والصراخ، فلما سمعهم دياب ركب جواده وخرجت فرسانه والتحمت بينهم إلى أن لحق دياب بفارس الزناتي أبي خريبة وضربه بالسيف فقطع رأسه وألقاه صريعا.

وعندما رأى فرسانه أميرهم مجندلا فروا هاربين فلاحقهم بنو زغبة وأعملوا السيف في رقابهم، إلى أن وصلوا إلى حيث الزناتي وأخبروه بما جرى من أهوال دياب.

وهنا استدعى الزناتي شقيقه الأمير مكحول وأمره بأخذ قومه وقبائله والنزول إلى دياب بن غانم لأخذ ثأر أبي خريبة ونهب بوش بني هلال ومؤنهم واعدا: ومهما تطاولت يدك إلى أسلابهم فهو ملك لك.

فركب على رأس جنده المقدر بخمسين ألف همام، وأغاروا حتى وصلوا وادي الغباين، وكمنوا لدياب إلى أن خرج وفرسانه لصيده وقنصه، فنزلوا على حراس المؤخرة تقتيلا وساقوا البوش أمامهم.

إلى أن علم دياب بالخبر، فجد السير بفرسانه في أعقابهم إلى أن لحق بمكحول ونازله وقتله.

وما إن وصل الخبر إلى الزناتي حتى ضاقت به الدنيا تخوفا من دياب بن غانم، ولم يجد له مهربا سوء الاستشراء أكثر في منازلة الهلاليين وإعمال سيفه في رقاب قادتهم.

وهنا تجددت مرة أخرى الأصوات المطالبة بعودة دياب بن غانم لحماية ما بقي من فرسان بني هلال، حتى إن جموع الهلاليين تجمعوا حول إيوان السلطان حسن وأبي زيد في شبه مظاهرة كبرى للمطالبة بعودة دياب.

ضيعت حتى والدك.

وسفهت قولي يا قليل الحشايم.

وأحاطت النساء الثكالى مستنجدات بدياب وهو حامي المحصنات، وهكذا رضخ دياب مسكينا معلنا للجميع موعد عودته:

قوللو لهلال النصر جاهم

نهار الأحد أعزم على الرواح.

واستقبل دياب استقبال الفاتحين حين عاد بفرسانه إلى بني هلال آمرا بنصب سيفه على مقربة من أبواب تونس ذاتها، فدقت الطبول ونشرت الأعلام، وزار هو في البداية قبور قتلى بني هلال فخرج إليه أهالي القتلى والشهداء ورفعت النساء براقعها وألقوا تحت أقدام دياب، الذي أنشد يقول:

مقالات أبي موسى دياب المفتخر

فارس الهيجاء خيال الوعر

حامي الزينات سور المحصنات

مفرج الكربات في يوم العسر.

وفي اليوم السابق على منازلة دياب للزناتي يقال إنه كان يلاعب طفلة يتيمة وهو غائب الفكر كالتائه المأخوذ سائلا: أين أطعن الزناتي يا صغيرة؟

فقالت له: في عينيه.

فقال: مبارك قولك يا صغيرة! لن أطعنه إلا في عينيه، وقد كان.

حتى إذا ما اندلعت الحرب بين دياب المنتقم والزناتي الخائف منه، حاول الأخير مناشدته الصلح الذي لا يبعد كثيرا عن الاستسلام قائلا:

فاصفح عن حربي وخذ ما تريد

أموال خذ مني وكل جناس

أعطيت يا دياب القيروان وقابس

تونس وقابس ودير مكناس.

إلا أن الجازية القائدة المحرضة على القتال رفضت من فورها هذا الصلح:

تريدون صلحا بعد تسعين أميرا

حريمهم عليهم قايمين العدايد؟!

وهكذا لم يجد الزناتي مفرا من الخروج لمنازلة وحرب دياب محققا في البداية انتصارا ساحقا عليه إلى حد تمكنه من الإيقاع به أرضا من فوق هامة فرسته الشهيرة الخضراء، والتي يقال: إن روحه عالقة بها إلى حد أن قتلها «يعني قتله هو ذاته»، مما دفع دياب إلى الحزن والبكاء عليها فأمر بغسلها وتكفينها بأثواب الحرير ودفنها في مهابة، قبل أن يشيد على قبرها قبة عظيمة ذبح عليها ألف ناقة فرقها على الفقراء واليتامى.

لكن ما إن سمع بنو هلال بموت الخضراء حتى أيقنوا أن دياب لن ينسى ثأرها أبدا، وأن نهاية الزناتي قد اقتربت.

وهو ما حدث حين اعتلى دياب مهر «الخضراء» ونازل الزناتي إلى أن هرب الزناتي، فقام دياب بإطلاق الرمح لأن الزناتي كان هاربا، فالتفت لكي ينظر إلى دياب فأصاب الرمح عينيه ونفذ من قفاه! وحين حاول أبو سعدى الترجل عن جواده لحق به دياب مستلا سيفه من جانبه ونزل وقطع رأسه ونضجها على رأس سنانه شاهرا.

عزيزة ويونس · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عزيزة ويونسص ٥٢