واندفع يونس صارخا بصوت مجروح خفيض: هل يمكن تصور هذا؟! الزناتي يكلم نفسه تخوفا منه، يكفي هذا ... في هذا كله كفاية لقلب دفة المعارك، وأنت يا خال أبي زيد سيد العارفين.
غمغم أصغرهم يحيى: إنهاء حصار تونس الخلاص.
وهكذا تجمعت الآراء عند ضرورة الاستنجاد بدياب وإعادة جمع الشمل بعودته إلى حيث مكانه اللائق في المقدمة.
فحتى النساء الهلاليات خاصة الثكالى منهن أو من فقدن الزوج والابن والحبيب، رحن يستنجدن بوالد دياب الأمير غانم وأمه وابنته وطفاء التي يسمى بها.
فهو وحده القادر على دحر الزناتي خليفة وجنده، هو دون سواه المنوط به قتل الزناتي وفك طوق الحصار المزدوج.
واندفعت وفود النساء الهلالية إلى حيث مضارب الأمير غانم والده، ورحن يكتبن إلى دياب يستدعينه للعودة وأخذ الثأر ومعهن ذوابة بنة الخفاجا عامر التي جزت شعرها وأرسلته إلى دياب، وكذلك فعلت ابنته وطفاء التي كتبت إليه تستعطفه باكية نائحة:
ثمانين أميرا من هلال وعامر
دعاهم أبو سعدى برمح كعيب
أخرب أبو سعدى جميع مساكنا
وما عاد لنا سامح ومجيب
دائر كما الدولاب وولد غانم
ينادي دياب من لقانا هريب
ألا يا دياب الخيل أسرع نحونا
واقتل خليفة يا أمير غصيب
قتل خليفة ابن عمك زامل
وأخوك عند ما عاد فيه نصيب.
وهكذا جمع الأمير غانم والد دياب كتابات النساء وشعورهن وتوسلاتهن وأرسلها إلى دياب في مكانه - أو منفاه - بوادي الغباين أو الغباين المغبونين أو المنفيين. لكن ما إن تسلم دياب الرسائل وقرأها حتى رد الرسول متسائلا: وأين مكاتيب السلطان حسن وأبي زيد؟
ولم يجب الرسول.
هنا رد دياب الرسول قائلا في حزم: جئت هذا المكان برأيهما، فكيف لي أن أرجع بمشورة النساء؟
وهكذا حطت الكوارث من جديد على الهلاليين من الزناتي وقومه.
| دياب يقتل الزناتي ويفتح تونس
ورغم إحباط كل محاولات جمع شمل الهلاليين ونبذ خلافاتهم التي أفضت بهم إلى عدم الثبات في أداء مهمتهم بفتح تونس وقلاعها التي استعصت طويلا، فإن خليفة الزناتي لم يتخل يوما بل لحظة عن مخاوفه من عودة دياب بن غانم لمحاربته.
لذا رأى الزناتي في خطة ابن أخته العلام بن هضيبة خير مخرج من أزمته وهواجسه المتزايدة التي أصبحت تصاحبه ليل نهار.
وموجز تلك الخطة أن الهجوم خير الطرق وأبسطها إلى تحقيق الأمان المفتقد، ولو استدعى الأمر اللجوء إلى الحيلة والكمائن، التي اضطلع بها هذه المرة الزناتي نفسه ضد دياب بن غانم في منفاه بوادي الغباين.
وهكذا ارتفعت مكانة العلام في نظر خاله خليفة الزناتي، إلى درجة دفعت بالأخير إلى الإنصات إليه وإلى خططه وكمائنه الأفعوانية، سواء في مجال الحرب والمنازلة أو السياسة وما تتطلبه من إيقاع خاص لزيادة التفرقة والانقسامات بين صفوف التحالف الهلالي، وهي الانقسامات التي عادة ما تقضي إلى الهزائم والسقوط المتوالي لقادة فيالقهم وفرسانهم وأمرائهم.
ومن هنا ارتفع عدد القتلى والضحايا لرءوس قادة الهلاليين التي كانت تجز بسكين العلام أو الزناتي ذاته عن جثتها، لتمتلئ أماكنها على طول بوابة تونس وقلاعها حيث ترقص جماهير التونسيين في زهو مغنية بأمجاد الزناتي أبي سعدى وحرابه التي عرفت عنه ذات الأربعة والعشرين نصلا.
يقول الزناتي من فؤاد معمر
نيران قلبي زايدات وقادة
أنا الخليفة بالحروب مجرب
لي سيف بالخيل أنا ردادها
ألقى ألوف الخيل ما أنا خائف
أبطال تعرفني بيوم طرادها.
وكان العلام بن هضيبة يحتضن جماهير المنشدين والمداحين الذين يتغنون بأمجاد الزناتي وجيش تونس وأمجاده هو نفسه، ويتعمد إيصالهم إلى قرب قصر العزيزة وهم يواصلون إنشادهم وموسيقاهم وأغانيهم لتصل إلى أسماعها وأسماع أسرى بني هلال، متشفيا عقب كل انتصار للزناتي وفرسان تونس.
أما آخر خطط العلام التي استحسنها الزناتي وعكف فورا على تنفيذها، فجاءت ضد دياب نفسه، فقد اتفق الزناتي مع أحد فرسانه المقربين ويدعى «أبو خريبة» لإنزال ضربة قاصمة بإمدادات الجند والمهاجرين وبدياب ذاته في واديه ذاك المدعو وادي الغباين.