تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك أن اغتيال الخفاجا عامر واندحار تحالف جيش العراق من بعده، لم يكن سوى فاتحة طريق لانفراط عقد الهلالية، فسرعان ما أعقبه خبر استشهاد القاضي الكبير بدير بن فايد، ثم تبعه الأمير بدر بن غانم الذي قطع الزناتي خليفة رأسه عن جسده بضربة واحدة من سيفه، حيث أرسله إلى تونس وهو ما يزال في ميدان المعركة ليعلق على بواباتها السبعة إلى جوار رأس أخيه الأمير زيدان شيخ الشباب، وظل يصول ويجول متحديا الجميع.

وفي اليوم التالي نازل الزناتي ولديه نصر وعقل اللذين تحدياه انتقاما لأبيهما فقتلهما الواحد تلو الآخر.

وهللت تونس عن آخرها وكبرت حين استقبلت رأس الأمير عقل الذي استبسل طويلا خلال منازلته الزناتي، الذي - أي الأخير - كان قد وعد في وقت سابق كبار فرسانه ذات يوم بأن من يقوى على قتاله وقتله سيهبه ابنته سعدى زوجة وحليلة، إلى أن تمكن الزناتي نفسه من قتله وجز رأسه بخنجره المسلول.

وكان أن بكتهما أمهما الأميرة هولة بأقوى مراثيها:

تقول فتاة الحي هولة الخزينة

بدمع جرى فوق الخدود بنار

كل ما جرى فينا وقد أصابنا

الفكر والعقل مني طار

على «عقل» عقلي راح مستقره

ويا نصر ما في بعدكم أنصار

فلو أن نهر النيل بالقلب يجري

وسيحون مع جيحون والأبحار

ونهر الفرات ودجلة والشط كله

وعاصي وحمى وكل نهير دار

فيا طول حزني كلما دمت بالحيا

إذ جاء دياب الحي وسط الدار.

وهكذا بدأت الهلالية خاصة نساءهم في رفع الصوت إزاء الأخطار والهزائم المتوالية طلبا واستنجادا بعودة دياب بن غانم إلى القيادة والمقدمة، بل إن الخاطر ذاته مر في فكر الفتيان الثلاثة في سجنهم الملحق بقصر عزيزة ابنة سلطان تونس معبد بن باديس. - أين دياب الخيل؟!

فحتى الأميرة سعدى ابنة خليفة الزناتي بدأت هي بدورها تحاوطها الهواجس والمخاوف المتنازعة، ما بين حبها للأمير مرعي ابن سلطان بني هلال وبين تلك الكوابيس التي حطت على رأس والدها الزناتي خليفة من تفاقم الموقف، إلى حد المطالبة بعودة دياب بن غانم الذي أصبح والدها الزناتي لا يطيق سماع اسمه. - أبعدوا دياب بن غانم بكل الطرق عن بوابات تونس.

وكثيرا ما فاتحت سعدى صديقتها عزيزة التي لا تخفي عنها خافية بمثل هذه الخواطر، التي أصبحت تتكاثر في الأيام الأخيرة، وهي تحط بمعظمها على كاهل والدها الزناتي، برغم ما يحققه كل يوم لتونس وتوابعها من انتصارات عمت كل الآفاق مشرقا ومغربا، إلا أن ذكر اسم دياب بن غانم أمام الزناتي كان يقلب كيانه كله رأسا على عقب.

بل إن هذا بذاته ما تناهى إلى أسماع سعدى من حبيبها وهو يحادث له يونس مرات عديدة: ماذا يحدث؟! أين دياب؟!

إلى أن لاح بصيص من أمل، فقد تسللت ذات يوم مي الحزينة التي أصبحت تعيش بصحبة عزيزة لا تفارقها لحظة إلى داخل سجن الأميرين لتبلغهما بتمكن خالهما أبي زيد من التسلل خفية إلى داخل العاصمة متنكرا بمساحيقه بصحبة الأميرة الجازية وبضع نساء هلاليات، بغية زيارتهما والاطمئنان عليهما وسماع مشورتهما إزاء ما يحدث.

ولم يمض وقت كثير ومي الحزينة تحادثهما حتى انشقت الأرض عن أبي زيد الهلالي في زي درويش فقير مهلهل الثياب وتقدم منهما مسلما ومرحبا، مستبشرا كعادته لا يكف عن إطلاق نكاته وتهكماته. - سجن ملوكي هذا! سجن على الجرح يا يونس، بالأحضان، هانت، هانت.

ولم تطل بهم دهشتهم، إذ إنهم اندفعوا من فورهم معلنين رفضهم لما يحدث للهلالية نتيجة الخلافات الجوفاء التي قادت إلى هذا الوضع المشين.

بل إن يونس تساءل من فوره مطالبا بعودة الأمير دياب لإنقاذ الوضع الحرج، وتلافي ما يمكن تلافيه اليوم قبل الغد.

وأشار مرعي وهو يصب الكلام في أذني أبي زيد إلى مدى تخوف التونسيين بل والزناتي ذاته من حدث عودة دياب إلى مقدمة المقاتلين، وكيف أنه أصبح في الأيام الأخيرة لا ينام الليل تخوفا من عودته يوما إلى منازلته بفيالقه اليمنية من بني زوغبة.

عزيزة ويونس · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عزيزة ويونسص ٥٠