تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جرت فرحة إلى داخل أغوار القصر تبحث عن عزيزة دون أن تغفل عيناها عن مرعي، الذي توقف بدوره مبهوتا باسما وهي تنسحب جارية إلى داخل القصر. - الأميرة سعدى.

وحاولت سعدى جذب انتباه الأميرة عزيزة، وكانت ساعتها غارقة حتى رأسها في الترحيب بضيوفها والمبالغة في إكرامهم.

ذكرت لها سعدى متلهفة أمر أولئك الفنانين البدو، وروعة مشهد الشابين يونس ومرعي والعقد القيم الذي في حوزتهم مشيرة في عجلة: وهم هناك في بستانك، أسرعي.

عاجلتها عزيزة دون أن تتحقق من جلية الأمر: طيب، طيب يا سعدى.

وهنا لو أن بقية الضيوف قد تحسسوا ما اعترى عزيزة بانشغالها عنهم، فهبوا من تلقاء أنفسهم مسلمين في حرارة على العزيزة خارجين.

بينما اندفعت سعدى تصب في أذني العزيزة روعة أولئك الشباب محاولة تذكر الأسماء: مرعي ... ويونس ... صاحب العقد.

غمغمت العزيزة مرددة شبه غائبة عن وعيها: يونس! - سترينهما حالا، شيء مختلف لم أشهد مثلهما قبلا.

ومن فورها اندفعت عزيزة جاذبة إحدى عباءاتها الداكنة المطرزة برقائق الذهب والفضة، مسدلة شعرها الطويل الفاحم، جارية في أثر سعدى، حتى إذا ما وصلت إلى أعلى سلالم قصرها المرمرية، وتوقفت من فورها فجأة غارقة في تأملهم إلى أن غاصت عيناها في عيني يونس الذي تراجع مأخوذا من جمال عزيزة الطاغي وبيده عقد الجوهر: سبحان الله!

إلى أن لكزه أبو زيد مسرعا من الخلف بإيماءة من إيماءاته الجانبية، فتقدم يونس على أثرها خطوة محييا برأسه دون صوت مقدما العقد ملامسا بيديه يدي العزيزة عن قرب ... - الله! يا ...

وقام الدلال معرفا قبل أن يعود إلى الانزواء: يونس، هذا يونس، يا سيدتي عزيزة. - يونس!

قالتها عزيزة وكأنها تناجي نفسها، كما لو كانت تعرف هذا الاسم منذ زمن بعيد لا حد ولا نهاية له.

قاربتها سعدى متأملة مشيرة إلى عقد الزمرد العميق الاخضرار، فأعادت العزيزة تأملها قائلة: هذا لا يقدر بثمن!

هنا اندفع يونس بكل فروسيته ليتناول العقد منها ويطوق به جيدها: يكفينا مقابلتك يا أميرة عزيزة، وكلي رجاء في أن تقبلي هذه الهدية البسيطة.

ووصل الاندهاش بعزيزة أقصى مداه حين تراجع يونس بظهره منسحبا نازلا السلالم لاصطحاب الباقين والانصراف: طابت ليلتك يا أميرة!

وسريعا ما نزلت عزيزة في أثره وخلفها سعدى إلى أن لحقت به عند مدخل الحديقة المطوق بالورود والرياحين: يونس، العشاء ... جاهز.

كان كل هذا يحدث ويجري تحت سمع وبصر الدلال، الذي بدا كمن لا يفهم شيئا فيما يجري من حوله، إلى أن لاحظت العزيزة ما به فأشارت عليه بالانصراف على أن ترسل في أثره فيما بعد. - طابت ليلتك يا أميرة! طابت ليلتكم جميعا!

انصرف الدلال العجوز مسرعا لا يلوي على شيء إلى أن أخفته أشجار بستان العزيزة العملاقة ذات الأغصان المتعانقة.

وعاودت عزيزة وسعدى الترحيب بيونس ورفاقه، ثم قامت عزيزة بأخذ يونس لتصعد به سلالم قصرها، الذي كان قد تضاعفت أنواره ونشط الحرس والجواري في مد موائد العشاء والشراب والمشهيات.

ولاحظت مي الحزينة من فورها مدى انبهار عزيزة بيونس وسعدى بمرعي، مشيرة خفية لأبي زيد الهلالي: اجتمع الشمل يا خال أبو زيد.

وما إن احتوتهم قاعات قصر العزيزة الفاخر المغطى بالمخمل الدمشقي القاني الاحمرار، حتى بهر الجميع من محتوياته المعبرة بجلاء عن مدى الذوق الرفيع الذي تحظى به صاحبته الأميرة العزيزة بنت معبد: متحف هائل!

وتزايد إعجاب العزيزة واحتفاؤها بيونس حين اصطحبته عبر ردهات قصرها لتطلعه على ما يحويه من مقتنيات عالية القيمة، وهي تنصت في رهبة حقيقية لتعليقاته التي كشفت لها عن مدى ثقافته وعميق معرفته بكل عنصر أو قطعة وعمرها التاريخي وأصلها الجغرافي وظروف العصر أو البيئة التي صيغت فيها، سواء أكانت تحفة أو لوحة فسيفساء أو منمنمات أو نسجيات، وهكذا.

عزيزة ويونس · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عزيزة ويونسص ٣٣